حين تُختبر الجبهة الداخلية .. يظهر معدن الوطن
د. حمد الكساسبة
23-10-2026 10:47 PM
في اللحظات الصعبة، يظهر معدن المجتمعات وقدرتها على حماية ما يجمع أبناءها. والأردن عرف على امتداد تاريخه أن تماسك الناس ليس مجرد قيمة اجتماعية، بل مصدر قوة واستقرار. فعندما تزداد الضغوط من حولنا، يصبح الهدوء والوعي والتمسك بما يجمع الأردنيين أهم من أي وقت مضى.
والكرك واحدة من الصور الواضحة لهذا التماسك. فمن يعرف أهلها يعرف طبيعة العلاقات بينهم، ويعرف أن المسلم والمسيحي فيها أهل وجيران وأصدقاء، تجمعهم العِشرة وذاكرة المكان ومواقف الحياة. هذه الروابط لم تصنعها المناسبات ولا الخطابات، بل بنتها أجيال من العيش المشترك، وأصبحت جزءاً أصيلاً من هوية المحافظة ومجتمعها.
وهذه الصورة لا تقف عند الكرك. ففي مختلف محافظات المملكة نجد المعنى نفسه: مجتمعاً تتعدد فيه المكونات، لكن يجمعه وطن واحد ومصير واحد. وهنا تأخذ الوحدة الوطنية معناها الحقيقي؛ فهي ليست عبارة تُقال في الظروف الصعبة، بل علاقة بين الناس وثقة متبادلة وشعور بأن ما يمس جزءاً من الوطن يعني الجميع.
وتزداد أهمية هذا المعنى في مرحلة إقليمية دقيقة، تتسارع فيها الأحداث وتتداخل فيها التحديات السياسية والأمنية. والأردنيون يدركون طبيعة موقع بلدهم وحساسية ما يجري من حوله، ولذلك فإن حماية الداخل تبدأ بالوعي، وبالكلمة المسؤولة، وبالابتعاد عن الإشاعة والتعميم وكل ما يمكن أن يزرع الشك بين أبناء المجتمع.
وفي هذه المرحلة، يبقى وجود مرجعية وطنية جامعة عاملاً مهماً في الحفاظ على الثبات. فالالتفاف حول القيادة الهاشمية بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني يعكس حاجة المجتمع، في أوقات التحدي، إلى عنوان يجمعه وإلى دولة يشعر أبناؤها بأن مؤسساتها حاضرة وقادرة على إدارة الظروف الصعبة بهدوء ومسؤولية.
ومن هذا الشعور يأتي أيضاً الاطمئنان إلى القوات المسلحة الأردنية - الجيش العربي والأجهزة الأمنية. فوجود مؤسسات قوية ومحترفة تحمي أمن الدولة والمجتمع يمنح الناس الثقة بأن القانون والمؤسسات هما الطريق للتعامل مع أي تحدٍّ، بعيداً عن الاجتهادات والشائعات والأحكام المتسرعة.
ولا تكتمل حماية الجبهة الداخلية بعمل المؤسسات وحدها؛ فللمجتمع دوره أيضاً. يحميها المواطن عندما يحترم الآخر، ويرفض التعميم، ويحافظ على علاقته بجاره، ويدرك أن اختلاف الناس لا ينتقص من وحدتهم. فالوحدة الوطنية تبدأ من التفاصيل اليومية قبل أن تصبح موقفاً عاماً في الأزمات.
وفي النهاية، ما يحتاجه الأردن اليوم ليس رفع الصوت، بل رفع مستوى الوعي والثقة بما يجمع أبناءه. فالجبهة الداخلية تبقى عصيّة على الاختراق ما دام الأردنيون متمسكين بوحدتهم، ملتفين حول وطنهم وقيادتهم، وواثقين بمؤسساتهم. وعندما تشتد التحديات، لا يكون الرد الأقوى بالخوف أو الانفعال، بل بأن يبقى الأردن كما عرفه أبناؤه: وطناً واحداً، ومجتمعاً يعرف أن وحدته هي مصدر قوته.