facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الأردن جوهرة الشرق: لن تخدش بشاعة الجريمة مناعة مجتمعه


أ.د. عبدالله سرور الزعبي
23-10-2026 10:58 PM

في اللحظة التي يُدفن فيها الميت، يتوقف الأردنيون عن الخلاف. هذه قاعدة اجتماعية ترسخت عبر الأجيال، لا عبارة إنشائية: للموت حرمة تعلو على كل اختلاف، ولبيت العبادة سكينة لا تُمس، والجميع شريك في الوطن والمصير. وفي بلدة حمود بالكرك، وسط جنازة، كُسرت هذه القاعدة بالرصاص. سقط شهداء وجرحى، لكن الضحية الأكبر كانت فكرة الثوابت الأردنية ذاتها: أن نعيش معًا دون أن نسأل بعضنا عمّن نكون. إنها بشاعة لم يعهدها الأردنيون في تاريخهم، وخروج على أخلاق مجتمع كامل وثوابته قبل أن تكون خروجًا على القانون.

ولا يصح أن نقرأ ما جرى بوصفه جريمة مروعة فحسب. فالجريمة تبحث عن مال أو ثأر أو مصلحة، أما الفعل الذي يختار جنازة او دار عبادة وبلدة وادعة في محافظة بحجم الكرك ورمزيتها، فيبدو كأنه يتوجه إلى ما هو أبعد من ضحاياه. قد يكون هذا الانطباع صحيحًا وقد لا يكون، فالتحقيق لم يقل كلمته بعد، ولم تُعلن دوافع المنفذين، ومن الحكمة ألا نسبق الأدلة. لكن الحكمة نفسها تفرض أن نسأل الأسئلة التي يسألها العقل الاستراتيجي: لماذا هذا المكان؟ ولماذا هذه اللحظة والإقليم يشتعل؟ ومن يستفيد من أن يتحول الحزن في الأردن إلى ريبة؟

وليست اللحظة معزولة عن سياقها، فالأردن يعيش في قلب إقليم تتساقط فيه الخرائط. في الضفة الغربية تتسارع الوقائع على الأرض وتُمس معادلات تتصل بأمن الأردن مباشرة. وغزة تنزف منذ سنوات، وترتد آثارها على الشارع الأردني والاقتصاد والسياسة. وسوريا تعيد تشكيل نفسها وتتنازع أرضها قوى وأجندات، وحدودنا معها طويلة وحساسة. والعراق ساحة تتقاطع فيها المصالح. وثمة أطراف إقليمية، ومنها إيران، سعت وتسعى إلى توسيع نفوذها في الإقليم، ويرى بعضها في صمود الأردن واعتداله عقبة أمام مشاريعها. لا نملك اليوم دليلًا على أن جهة بعينها تقف خلف ما جرى في بلدة حمود، ولن نتهم أحدًا قبل أن يقول التحقيق كلمته. لكن لا يجوز للعقل الاستراتيجي أن يستبعد وجود من يريد النيل من أمن الأردن واستقراره لإضعاف موقفه الجيوسياسي، في محاولة يائسة لإرباك دولة جعلت من الاعتدال والتوازن رصيدها الأول. وهذه فرضية تنتظر ما يؤكدها أو ينفيها، لكنها تفرض أن يُقاس الحادث بمقياس الأمن الوطني.

والأزمات الكبرى، كما يعلّمنا التاريخ، لا تصنعها الصدمة وحدها. فالصدمة تكشف ما قد يكون كامنًا، وتغذيه أحيانًا جهات تسوؤها قوة هذا الوطن وتماسك مجتمعه. والدول التي يصعب كسرها من الخارج تُختبر من الداخل، بالخوف والشك والانغلاق على الهويات الفرعية. وهنا نستحضر مفهوم "وحيد القرن الرمادي"، وهو الخطر الظاهر الذي يتجه نحونا ببطء، ولا يجوز أن نتجاهله لأن كلفة التحرك آنية وكلفة التجاهل مؤجلة.

ونحن اليوم نعيش في "مجتمع المخاطر" الذي أنتجته الحداثة على شكل أخطار عابرة للحدود والقطاعات، لا تحتويها المؤسسات التقليدية. وتقع الأزمات الكبرى حين تصبح المخاطر أكثر ترابطًا من قدرة المجتمع على فهمها. فالتطرف والسلاح المنفلت والشائعة وتآكل الثقة وأجندات الإقليم ليست ملفات منفصلة، بل خيوط في نسيج واحد. وقد كشفت العقود الأخيرة أن الاستقرار الأمني لا يكفي إن لم يسنده استقرار اجتماعي قائم على الثقة والفرص والكرامة. فالجبهة الداخلية ليست شعارًا عاطفيًا، بل مورد استراتيجي لا يقل أهمية عن القوة العسكرية والاقتصادية. ولم يعد الأمن الوطني قابلًا للاختزال في الحدود، فهو قدرة الدولة والمجتمع معًا على الاستمرار حين تتعطل المسارات المعتادة، وعلى اتخاذ القرار حين تتزاحم المعلومات.

ومن هنا يأتي دور الوعي المجتمعي، فهو خط الدفاع الأول الذي لا تصنعه الأجهزة وحدها. ففي ساعات الصدمة تتحول المعلومة إلى ساحة معركة: تنتشر الصور وقد تكون غير موثقة، وتُنسج الروايات عن الدوافع، ويُستثمر الألم في صناعة الانقسام، وتتحرك منصات رقمية عابرة للحدود لتغذية الاتهامات وإشعال الفتنة. وكل مواطن يعيد نشر شائعة أو صورة أو اتهام جماعي يصبح، دون أن يقصد، جزءًا من معركة لم يخترها. فالمجتمع الواعي يتحقق قبل أن ينشر، ويسأل قبل أن يتهم، ويرفض أن يُختزل أخوه في الوطن بنسبه أو بأصله. والمدرسة والجامعة والمسجد والكنيسة والإعلام والأسرة مدعوة كلها إلى ترسيخ المواطنة بوصفها هوية أردنية ثابتة لا تحتاج إلى تعريف، وإلى مواجهة خطاب الكراهية مبكرًا قبل أن يتحول إلى فعل. وعلى الإعلام الوطني مسؤولية موازية: اعتراف سريع بالمعلوم، ووضوح بشأن المجهول، والتزام بالمعلومات الرسمية، فالفراغ المعلوماتي تملؤه الشائعات. وقد دعت الحكومة إلى الاعتماد على المصادر الرسمية، وهو واجب وطني على كل أردني قبل أن يكون توجيهًا.

وفي قلب هذه اللحظة يتجلى دور جلالة الملك عبدالله الثاني. فقد أكد أن الأردن سيواجه هذا العمل الإرهابي بأشد العقوبات، وحضور جلالته في الكرك، بين أهلها وأبناء الوطن، يحمل رسائل لا تخطئها عين. فللداخل: أن الدولة وقائدها حاضران حيث يُجرح الوطن، وأن دم كل أردني واحد، وأن لا مكان لمن يريد أن يفرّق بين أبنائه. وللخارج: أن الأردن لا يُستفرد به ولا يُبتز بأمنه، وأن من يراهن على اختراق نسيجه الاجتماعي سيصطدم بقيادة وشعب أثبتا عبر العقود أن وحدة الأردنيين أصلب من كل رهان. وهذا الحضور امتداد لرؤية ملكية انتقلت من إدارة التحديات اليومية إلى بناء قدرة وطنية شاملة، ترى أن الدفاع عن أمن الأردن عملية متكاملة تتساند فيها المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية والجامعات والمجتمع. فالحزم والعدالة وسيادة القانون هي ما يمنح الدولة قوتها، ويمنع الغضب من الانزلاق إلى ردود فعل تضر بالمجتمع نفسه.

لكن الاختبار الأعمق يبدأ بعد انحسار الصدمة. فهل تبقى بلدة حمود مناسبة للتضامن المؤقت، أم تصبح نقطة تحول في بناء المناعة الوطنية؟ يقتضي الجواب أن يُكشف ما جرى كاملًا، وأن يُحاسَب المنفذون ومن يقف خلفهم أو يموّلهم أو يحرّضهم، وأن تتحول الدروس إلى خطط تنفيذية تحمي تماسك المجتمع وأمنه، فالخبرة التي لا تتحول إلى عمل مؤسسي تضيع بخروج من اكتسبوها. ويقتضي كذلك أن تُحمى دور العبادة والتجمعات بمنظومة وقاية ترصد المؤشرات المبكرة قبل أن تصبح فعلًا، وأن نرفض، دولةً ومجتمعًا، كل اتهام جماعي وكل خطاب يمنح العنف أثرًا إضافيًا.

وللصمود بعد استراتيجي أيضًا. فالدولة التي يصعب شلّها أو ابتزازها تردع خصومها بإظهار أن كلفة الضغط عليها أعلى من عائده، وهذا هو الردع بالصمود. والأردن يملك رصيدًا من الثقة بين شعبه وقيادته الهاشمية، وهذه الثقة ينبغي أن تتوسع لتشمل بقية المؤسسات حتى تصبح مستدامة. والاستدامة لا تقوم على قول البعض إن كل شيء تحت السيطرة، بل على أن يعرف المواطنون أن مؤسساتهم تفهم المخاطر وتستعد لها وتصحح أخطاءها عند وقوعها.

لا تعرف الدول متى ستقع أزمتها المقبلة ولا شكلها، لكنها تعرف مواطن ضعفها. وما جرى في بلدة حمود ليس مجرد جريمة بشعة وعمل إرهابي جبان، بل سؤال يوجَّه إلى كل أردني عن معنى الوطن. قد ينجح الرصاص في قتل الإنسان، لكن يجب ألا ينجح في قتل الثقة بين أبناء الوطن الواحد. والوفاء لشهداء بلدة حمود لا يكون بالحزن وحده ولا بالشعارات، بل بكشف الحقيقة وإنفاذ القانون وحماية كل أردني، فالجميع متساوون في المصير. ولذلك فإن الأردن الذي صمد أمام أزمات إقليمية عميقة لن يسمح لجريمة، مهما بلغت بشاعتها، بأن تنتزع منه أثمن ما يملك: وحدته، وثقته، وقدرته على الوقوف معًا حين يحاول العنف أن يفرّقه.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :