facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




من وجع الكرك إلى مسؤولية الكلمة


السفير ماهر لوكاشه
25-10-2026 10:17 AM

* حين يستهدف الإرهاب الإنسان ويحاول النيل من عيشنا المشترك

لم تكن الجريمة التي استهدفت مواطنين آمنين في بلدة حمود بمحافظة الكرك حادثة عابرة في ذاكرة أهلها، ولا وجعا يخص أسر الضحايا وحدها. حين يفجع الناس في مناسبة عزاء، ويتحول مكان يفترض أن يجمعهم على المواساة إلى ساحة للموت، فإن الحزن يتجاوز حدود المكان، ويصيب كل من يؤمن بأن كرامة الإنسان وحياته لا تقبلان المساومة.

في مثل هذه اللحظات، تقف الكلمات عاجزة أمام ألم العائلات، ولا يليق بها أن تزاحم حزنهم أو تدعي أنها تواسيهم بما يكفي. لكن من واجبنا أن نقول بوضوح: إن استهداف الأبرياء جريمة مدانة، وإن دم الأردني، أيا كانت عقيدته، عزيز، وإن ما أصاب أهل حمود أصاب الأردن كله. نسأل الله الرحمة للضحايا، والصبر لذويهم، والشفاء للمصابين.

ويبقى السؤال الذي لا يجوز أن يضيع وسط الغضب والحزن: كيف يُدفع إنسان إلى أن يرى في جاره أو مواطنه عدوا يستحق القتل؟ لا تكفي الإجابة عنه كلمة واحدة، ولا يصح أن نختزلها في تفسير جاهز.

فالتطرف قد ينمو عبر خطاب يحاصر العقل ويغذي الكراهية، وقد يجد طريقه إلى أشخاص يبحثون عن الانتماء أو المكانة أو الانتقام، أو يعيشون ظروفا يستغلها المجندون لمصلحتهم. وفي حالات أخرى، تتداخل الدوافع الفكرية مع المصالح المادية وشبكات التحريض والتمويل.

ليس في ذلك ما يبرر الجريمة أو يخفف مسؤولية مرتكبيها. فالمسؤولية عن القتل تقع على من ارتكبه ومن حرض عليه أو أعانه، وفق ما تثبته التحقيقات والقضاء. لكن فهم الطريق الذي يقود إلى العنف ضرورة لحماية الناس من تكراره؛ فملاحقة المنفذين واجب، كما أن منع الأفكار والشبكات التي تهيئ للعنف واجب لا يقل أهمية.

والدين، في جوهره، لا يمنح أحدا رخصة لسفك دم بريء أو انتهاك كرامة إنسان. الخطر يبدأ حين يحتكر فريق تفسير الدين، ثم يحول الاختلاف إلى عداوة، ويجرد المختلف من إنسانيته. عندها لا يعود الدين هداية وأخلاقا، بل يصبح في أيدي المتطرفين غطاء لأفعال تناقض مقاصده وتسيء إلى المؤمنين به قبل غيرهم.

وقد قرر القرآن الكريم مبدأ الإيمان دون إكراه، فقال تعالى:في الاية ٩٩ من سورة يونس ((وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾

(لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ البقرة٢٥٦

ومن الإنصاف أيضا ألا نربط التطرف بالفقر وحده، أو نتصور أن التعليم يمنع صاحبه دائما من الوقوع في براثنه. فالدوافع متنوعة، والناس لا يستقطبون جميعا بالطريقة نفسها. قد يستغل المحرض حاجة إنسان، أو شعوره بالظلم، أو رغبته في الانتماء، وقد يستخدم المال لإغراء بعضهم أو لتسهيل التجنيد. لذلك لا بد من مواجهة الظاهرة في أكثر من اتجاه: بالقانون، والتعليم، والعدالة، والخطاب المسؤول، ومحاسبة من يثبت تورطه، لا بتعميم الاتهام على فئة أو مجتمع.

وفي القضايا المؤلمة، تكون مسؤولية الكلمة كبيرة بقدر مسؤولية الفعل. فالغضب مفهوم، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى اتهامات تلقى بلا دليل أو إلى ريبة تلاحق الناس بسبب دينهم أو أصلهم. وأي حديث عن جهة تقف وراء الجريمة، أو عن تمويل أو تخطيط، يجب أن يستند إلى ما تكشفه التحقيقات، لا إلى الظن. ترك الحقيقة للجهات المختصة والقضاء ليس تراجعا عن المطالبة بها؛ بل هو الطريق الذي يحفظ حق الضحايا ويمنع أن تتحول المأساة إلى فتنة جديدة.

لقد عرفت الأسرة الأردنية، مسلمين ومسيحيين، معنى العيش المشترك في تفاصيل الحياة، لا في الخطب وحدها. والمسيحي الأردني ليس ضيفا في وطنه، والمسلم ليس وصيا عليه؛ فهما شريكان في الأرض والتاريخ والمواطنة، ومسؤولان معا عن مستقبلها. ومن يعتدي على كنيسة أو مسجد، أو يستهدف أنسانا بسبب عقيدته، إنما يعتدي على حق الجميع في وطن آمن يحمي مواطنيه من دون تمييز.
وقد عبر جلالة الملك عبدالله الثاني، بموقفه الحازم من الجريمة وتفقده المصابين في الكرك، عن هذا المعنى الوطني: أن حياة الأردني وكرامته مسؤولية لا تقبل المساومة، وأن وحدة المجتمع ليست شعارا يرفع عند الشدائد ثم ينسى، بل أساس من أسس استقرار الدولة وأمن أبنائها. وتزداد أهمية هذا الموقف حين تحاول الجماعات المتطرفة أن تجعل من الخوف والفرقة وسيلتين لتحقيق غاياتها.

إن مواجهة الإرهاب تبدأ بحماية الناس وملاحقة مرتكبي الجرائم، لكنها لا تنتهي هناك. فهي تحتاج إلى مؤسسات قوية وعادلة، وإلى تعليم يشجع السؤال والتفكير النقدي، وإلى خطاب ديني يرفض التحريض بوضوح، وإلى مجتمع يتيح للشباب الأمل والانتماء والفرصة. فالأمن يحمي الناس من الجريمة، والوعي والعدالة يسهمان في سد الطريق الذي قد يقود إليها.

ما نحتاج إليه اليوم ليس مزيدا من الاتهامات، بل الحقيقة كاملة، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، والوقوف إلى جانب العائلات التي فقدت أحبتها. وما نحتاج إليه، قبل كل شيء، أن نحفظ للأردن تماسكه، وأن نرفض أن تستغل دماء الضحايا لإشعال خصومة بين أبناء الوطن الواحد.

ستبقى الكرك، بأهلها وتاريخها وكنائسها ومساجدها، جزءا أصيلاً من صورة الأردن الذي نعرفه ونتمسك به. أما الرصاصة، مهما بلغت وحشيتها، فلا ينبغي أن تنال من ثقتنا بعضنا ببعض. أبلغ وفاء للضحايا أن نطالب بالعدالة، وأن نحمي مواطنينا، وأن نتمسك بوطن لا يفرق بين أبنائه، ولا يسمح للإرهاب بأن يحول اختلافهم إلى عداوة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :