خرائط الأمن تسبق صناديق الاقتراع
د. حازم قشوع
27-10-2026 09:26 AM
لا تنتظر خرائط الأمن دائماً ما تقرره صناديق الاقتراع، فبعض التحولات الكبرى تبدأ قبل إعلان النتائج، حين تستشعر مراكز القرار اتجاهات التغيير، فتسارع إلى إعادة ترتيب مواقع النفوذ وبناء ضوابط جديدة تحكم المرحلة المقبلة. ولعل ما تشهده المنطقة من تحركات سياسية وأمنية، بالتزامن مع الاستحقاقات الانتخابية في إسرائيل والولايات المتحدة، يعكس هذا التداخل بين حسابات الانتخابات واستباق مآلاتها، في ظل التحديات التي تواجه تيار الصهيونية الدينية بقيادة بنيامين نتنياهو، وتيار «ميغا» المناصر له بقيادة دونالد ترامب. وعلى هذه الأرضية، يمكن قراءة التحركات الإقليمية بوصفها استعداداً لاحتمالات التغيير، ومحاولة لإعادة ضبط التوازنات قبل أن تحسم صناديق الاقتراع اتجاهاتها.
ويأتي اجتماع طهران الرباعي، بمشاركة إيران والسعودية وتركيا وباكستان، في سياق هذه التحولات، بما يفتح المجال أمام توسيع مظلة «حلف مكة» لتشمل إيران ومصر، إلى جانب السعودية وباكستان وتركيا، ضمن تصور أوسع لمنظومة أمن إقليمي تتشارك فيها دول المنطقة مسؤولية حماية استقرارها وممراتها المائية الاستراتيجية، وفي مقدمتها مضيقا هرمز وباب المندب. وإذا ما انتقلت هذه التفاهمات إلى ترتيبات عملية، فإنها قد تؤسس لمعادلة تعيد توزيع الأدوار، وتمنح دول المنطقة مساحة أوسع في إدارة أمنها، بدلاً من إبقائه رهناً بموازين القوة الخارجية.
ولعل هذه الاصطفافات تحمل دلالة تتجاوز الاجتماعات والتفاهمات المباشرة، إذ يمكن قراءتها باعتبارها محاولة من عمق الدولة في النظام الدولي لاستيعاب التحولات المحتملة، وإعادة ترتيب أدوات التأثير بما يحفظ المصالح الاستراتيجية ويمنع اختلال التوازنات. فالمسألة لا تتعلق بالانتخابات وحدها، بل بما قد تفرزه من تغير في اتجاهات القرار، وما يستدعيه ذلك من إعادة تموضع إقليمي ودولي. ومن هنا، تتقدم خرائط الأمن لتسبق صناديق الاقتراع، لا بوصفها بديلاً عن نتائج الانتخابات، بل باعتبارها استعداداً لما قد تفتحه من مسارات جديدة.
وعلى هذه الأرضية، يبرز الأردن بوصفه ركناً رئيسياً في معادلة أمن المشرق، ومركزاً مهماً للتعاون الأمني المرتبط بحلف شمال الأطلسي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فموقع المملكة يجعل أمنها متصلاً مباشرة بأمن بلاد الشام وممرات الإقليم، ويضعها في قلب الجهود الرامية إلى منع انتقال الفوضى، وملاحقة شبكات التهريب، والتصدي للتنظيمات المتطرفة التي تستثمر الثغرات الأمنية والاقتصادات غير المشروعة لتأمين مواردها واستمرار نشاطها.
وفي هذا السياق، تشكل حادثة الكرك منطلقاً لقراءة أوسع لمتطلبات المرحلة الأمنية، بما تفرضه من ملاحقة فلول الميليشيات المتطرفة وتعقب امتداداتها وشبكاتها، انطلاقاً من الجنوب السوري وسائر مناطق الاستهداف المحيطة بالأردن. فسرعة استجابة الأجهزة الأمنية والقبض على المتورطين لا تعكس الجاهزية الوطنية فحسب، بل تبرز أهمية الانتقال إلى مقاربة متكاملة تتابع مصادر التمويل، ومسارات التهريب، والروابط العابرة للحدود، وتمنع إعادة إنتاج الخلايا المتطرفة تحت مسميات وأدوات مختلفة وهذا ما سيخدم سوريا ولبنان وقد تطال هذه الخدمات العراق لاسيما وان امن الهلال الخصيب كل لا يتجزء وهو المشروع الذى يقوده الاردن من على طاوله مستديره تحترم دول المنطقه وانظمتها.
إن أمن الأردن لا ينفصل عن أمن بلاد الشام، كما أن ضبط الممرات الاستراتيجية لا ينفصل عن استقرار الدول والمجتمعات المحيطة بها. ومن الجنوب السوري إلى الخليج، تتقاطع الحسابات الأمنية مع خرائط النفوذ، بما يجعل التعاون الإقليمي ضرورة تتجاوز الاستجابة المؤقتة للأزمات نحو بناء ضوابط تمنع توظيف الجماعات المسلحة في إعادة رسم الجغرافيا السياسية وهو ما كنت ببنته فى كتابي الذى حمل عنوان "هندسة الطاولة السياسية".
وهكذا، فإن ما يتشكل من تفاهمات واصطفافات لا ينبغي قراءته بمعزل عن الاستحقاقات الانتخابية ومآلاتها، ولا باعتباره مجرد تحرك أمني عابر. إنها مرحلة يعاد فيها اختبار العلاقة بين "القوة والقرار" وبين "النفوذ والاستقرار" فيما يظل الرهان على قدرة دول المنطقة على صياغة منظومة تحمي السيادة وتضبط الممرات وتواجه التطرف. وفي قلب هذه المعادلة، يواصل الأردن تثبيت موقعه بوصفه ركيزة لاستقرار المشرق، وحاجزاً أمام تمدد الفوضى، وشريكاً في أي ترتيب إقليمي يستهدف حماية الأمن وصون مستقبل المنطقة بما يحفظ لها الامن والاستقرار والتنمية عبر السلام.