facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الأردن الذي لا يساوم على أمنه .. ولا يضع المواطن على هامش قراره


السفير ماهر لوكاشه
02-11-2026 03:25 PM

في خطاب العرش، رسم جلالة الملك عبدالله الثاني معادلة الدولة القوية: أمنٌ مصان، وموقفٌ عربي ثابت، ومؤسساتٌ مسؤولة، وتنميةٌ يلمس المواطن أثرها في معيشته ومائه وتعليمه وعلاجه ومستقبل أبنائه.

لم يكن خطاب العرش في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين استعراضاً للمواقف، بل ترتيباً لأولويات الدولة في زمن تتزاحم فيه المخاطر. بدأ من أمن الأردن ووحدته، وانتقل إلى قضايا الأمة، وفي مقدمتها فلسطين، ثم عاد إلى الداخل الأردني: إلى البرلمان والحكومة وسيادة القانون، وإلى حياة المواطن التي ينبغي أن تكون في صلب القرار لا على هامشه. وفي هذا الترتيب تكمن قوة الخطاب؛ إذ يربط بين صلابة الدولة خارجياً ومصداقيتها داخلياً.

في مواجهة الإرهاب، جاء الموقف الملكي حاسماً: لن يُسمح لمن يستهدف أمن الوطن ووحدته أن يجد له موطئاً بين الأردنيين. واستحضار شهداء الكرك لم يكن وقفة عابرة في افتتاح دورة برلمانية، بل تذكيراً بأن حماية الوطن عهدٌ ومسؤولية، وأن دماء من دافعوا عنه تفرض على الدولة والمجتمع صون وحدتهما ومواجهة الخطر بثبات، لا بذعر، وبالعدالة، لا بالانجرار إلى ما يريده الإرهابيون من شقاق.

وفي ذلك رسالة تتجاوز حدود المواجهة الأمنية: الأردن لا يسمح للخوف أن يعيد تعريفه، ولا يسمح لفعل إرهابي أن ينال من عائلته الوطنية. قوته، كما قال جلالة الملك، في شعب يزداد تماسكاً وبصيرة وحكمة حين تشتد الخطوب، وفي جيش عربي وأجهزة أمنية يسهر أبناؤها ليبيت الأردنيون مطمئنين. هكذا يضع الخطاب الأمن في مكانه الصحيح: واجب الدولة الأول وركيزة الاستقرار، لكنه يستند كذلك إلى وعي الناس وثقتهم وتماسكهم.

أما خارج الحدود، فقد أكد الخطاب أن الأردن متمسك بعروبته وبالدفاع عن قضايا أمته، وأنه لا أمن ولا استقرار حقيقيين في المنطقة من دون نيل الشعب الفلسطيني حقه في أرضه. وفي إشارته إلى استمرار الكارثة الإنسانية في غزة والاعتداءات في الضفة الغربية والقدس، وإلى الأطماع التوسعية الإسرائيلية بوصفها تهديداً لمستقبل المنطقة، جاء الموقف واضحاً: لا تمنح القوة الطغيان شرعية، ولا يمحو الزمن الحقيقة، ولا يتراجع الأردن عن مبادئه.

هذه ليست عبارة سياسية للاستهلاك؛ إنها تثبيت لموقع الأردن في محيط مضطرب، وإعلان أن حماية المصالح الوطنية لا تعني الانكفاء عن قضايا الأمة. لكن الخطاب يضع لهذه الرسالة سنداً أساسياً: الأردن القوي في داخله هو الأقدر على الدفاع عن مصالحه، والنهوض بمسؤولياته، والوقوف إلى جانب أشقائه. فالموقف الخارجي المستقل لا ينفصل عن جبهة داخلية متماسكة، ومؤسسات تحظى بثقة الناس، واقتصاد يملك القدرة على الصمود.

ومن هنا جاءت دعوة جلالة الملك إلى مجلس الأمة واضحة في معناها ومسؤوليتها. فالمجلس ركن أساس في الحياة السياسية، والأمة مصدر السلطات ومنبع القوة. والمطلوب منه أن يكون صوتاً للوطن، وحارساً للمصلحة العامة، ورقيباً على الأداء الحكومي، واضعاً مصلحة الأردنيين أولاً. وهي دعوة لا تكتفي بمنح البرلمان مكانته الدستورية؛ بل تحمّله مسؤولية ترجمة هذه المكانة إلى عمل يراه الناس في التشريع والرقابة والسلوك العام.

فالناس، كما جاء في الخطاب، لا يحكمون على ما يصدر عن القبة من قوانين فحسب؛ إنهم ينظرون أيضاً إلى ما يصدر عنها من سلوك وخطاب. وفي ذلك معيار بالغ الأهمية للحياة السياسية: أن يكون الاختلاف قوة، لا ذريعة للتعطيل، وأن يكون النقاش طريقاً إلى قرار أفضل، لا مناسبة لتغليب الحسابات الضيقة. وحين تكون مصلحة الأردن هي الغاية، يصبح التعدد السياسي دعامة للدولة، لا ثغرة في جبهتها الداخلية.

لكن أوضح ما في الخطاب اتصالاً بحياة الأردنيين هو تأكيد أن مصلحة المواطن يجب أن تكون في صلب كل قرار. والتنمية الحقيقية، وفق هذا المعيار، ليست عنواناً في الخطط، بل أثراً يلمسه المواطن في معيشته وفرصه وتعليمه وعلاجه ومستقبل أبنائه. هنا ينتقل الخطاب من المبادئ إلى الامتحان العملي: هل تتحول المشاريع والسياسات إلى فرص أفضل وخدمات أجود؟ وهل يشعر الناس بأن أعباء الحياة ومخاوف المستقبل حاضرة في حسابات الدولة؟

وفي حديثه عن مشاريع التحديث الاقتصادي، لم يكتفِ جلالة الملك بالإشارة إلى انطلاق عدد من المشاريع الكبرى، بل دعا الحكومة إلى تسريع إنجازها. فالمشروع الوطني لا تُقاس قيمته بحجمه أو طموحه وحدهما، بل بقدرته على تحريك الاقتصاد وتوسيع فرص العمل وتعزيز قدرة المملكة على مواجهة التحديات. وما يحتاج إليه المواطن هو أن يرى التنمية في حياته اليومية، لا أن تبقى وعداً مؤجلاً أو رقماً في بيان.

ثم جاءت كلمة «المياه» مكررة ثلاث مرات، كأنها تختصر أولوية وطنية لا تحتمل التأجيل. فقد وضع الخطاب الأمن المائي في مرتبة لا تقبل المساومة، ووجّه الحكومة إلى مواصلة المشاريع ووضع خطط استباقية لحماية الموارد وضمان استدامتها وحقوق الأجيال القادمة. وفي بلد يواجه شحاً مائياً حاداً، لا يعود الماء ملفاً خدمياً عادياً؛ بل يصبح جزءاً من أمن الدولة وكرامة المواطن وحق الأبناء في مستقبل آمن.

ولم يفصل الخطاب بين قوة الدولة وهيبة القانون. فالموقع العام ليس امتيازاً يعفي صاحبه من العمل وخدمة الناس، ولا حصانة لمن يسيء استخدام منصبه. والقاعدة التي أكدها جلالة الملك حاسمة: القانون لا يعرف اسماً ولا منصباً ولا نفوذاً. في هذه الرسالة حماية لثقة المواطن، وتأكيد أن سيادة القانون ليست شعاراً يُرفع عند الحاجة، بل معيار يُختبر حين تتعلق المسؤولية بأصحاب المناصب والنفوذ.

وبالوضوح نفسه، أكد الخطاب حق الأردنيين في التداول بالشأن العام، وفتح المجال أمام الرأي المخلص والمسؤول. ذلك موقف يعبّر عن ثقة بالدولة ومجتمعها معاً: صدرٌ رحب للكلمة، ومسؤولية في استخدامها؛ حرية يصونها الدستور، وممارسة تحترم الوطن والناس.

إن قوة هذا الخطاب أنه لم يضع الأمن في مواجهة التنمية، ولا الموقف العربي في مواجهة الأولويات المعيشية، ولا هيبة الدولة في مواجهة حق المواطن في التعبير. جمع هذه المسارات في رؤية واحدة: الأردن يحمي حدوده ووحدته، ويتمسك بمبادئه تجاه قضايا أمته، ويقوّي مؤسساته، ويحاسب على إساءة استخدام السلطة، ويجعل حياة المواطن معياراً لجدوى القرار.

هنا يكمن التحدي الذي يضعه خطاب العرش أمام مؤسسات الدولة ومجلس الأمة والحكومة: أن تتحول الكلمات إلى إنجاز، والأولويات إلى برامج واضحة، والتوجيهات إلى أثر ملموس. فالأردني الذي يُعوَّل على وعيه وحكمته وإخلاصه، كما قال جلالة الملك، يستحق أن يرى في المقابل دولة تحميه، وقانوناً ينصفه، وخدمات تصون كرامته، وفرصاً تفتح أمام أبنائه أبواب المستقبل.

بهذه المعادلة يقدّم الخطاب صورة الأردن الذي يريد أن يبقى: قوياً من دون تراجع عن مبادئه، ثابتاً في وجه المخاطر، عادلاً في تطبيق قانونه، ومخلصاً لأولوية مواطنيه. تحصين الوطن يبدأ بحماية حدوده، ويكتمل بترسيخ وحدته وعدالة مؤسساته وكرامة مواطنيه. فالأردن الأقوى هو الذي يشعر فيه المواطن أن صوته مسموع، ومصلحته في صلب القرار، ومستقبل أبنائه أمانة لا تغيب عن حسابات الدولة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :