عبدالله الثاني .. حين يرسم خطاب العرش ملامح الدولة ويعلن موقع الأردن في عالمٍ مضطرب
بهاء الشنتير
02-11-2026 03:39 PM
ليس خطاب العرش مجرد تقليد دستوري تتجدد به الحياة البرلمانية، ولا مناسبة بروتوكولية تُلقى فيها الكلمات ثم تطويها صفحات الأخبار؛ إنه لحظة سياسية تتحدث فيها الدولة عن نفسها، وتحدد أولوياتها، وتبعث برسائلها إلى الداخل والخارج.
وفي خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني، في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، برزت معادلة سياسية واضحة: دولةٌ لا تسمح للإرهاب أن يختبر وحدتها، ولا تسمح للأزمات أن تعطل مشروعها، ولا تقبل أن يكون أمن مواطنيها أو مستقبل أجيالها موضع مساومة.
أولاً: في الداخل… من حماية الدولة إلى تجديد عقد الثقة
جاء الخطاب في أعقاب جريمة إرهابية استهدفت الأردن في واحدة من أكثر مساحاته حساسية وقداسة؛ في الكرك، حيث لا يمكن فصل الاعتداء على الأبرياء وحرمة المكان عن محاولة ضرب النموذج الأردني في العيش المشترك. ومن هنا، لم يكن تأكيد جلالة الملك أن الإرهابيين «ليسوا منا» توصيفاً أخلاقياً فحسب، بل كان إعلاناً سياسياً واضحاً بأن الإرهاب لا يستطيع اختطاف هوية المجتمع، ولا تمثيل دينه، ولا شقّ وحدته الوطنية.
إن الرسالة الأعمق هنا أن الدولة الأردنية لا تواجه الإرهاب بوصفه تهديداً أمنياً عابراً فقط، بل باعتباره مشروعاً يستهدف المعنى الذي قامت عليه الدولة والمجتمع: المواطنة، والتعددية، والاعتدال، وسيادة القانون. ولذلك فإن الرد الأردني لا يكتمل بالقبض على الجناة، على أهمية ذلك، بل بإفشال الغاية التي أرادوا بلوغها؛ أي تحويل الخوف إلى انقسام، والجريمة إلى فتنة، والاختلاف إلى شروخ في الجسد الوطني.
وفي هذا السياق، يكتسب التشديد الملكي على سيادة القانون ومحاسبة كل من يسيء استخدام الوظيفة العامة دلالة تتجاوز الإدارة اليومية؛ فالدولة القوية لا تقاس فقط بقدرتها على حماية حدودها، بل أيضاً بقدرتها على حماية مواطنيها من التعسف والفساد واستغلال النفوذ. وحين يؤكد الملك أن القانون لا يعرف اسماً ولا منصباً ولا نفوذاً، فإنه يضع معياراً واضحاً لهيبة الدولة: لا امتياز فوق القانون، ولا سلطة خارج المساءلة.
أما سياسياً، فإن توجيه الخطاب إلى مسارات التحديث والإصلاح يحمل البرلمان والحكومة مسؤولية الانتقال من مرحلة التعهدات إلى مرحلة النتائج. فالتحديث السياسي لا يُقاس بعدد الأحزاب أو المقاعد وحدها، بل بقدرة الحياة النيابية والحزبية على إنتاج برامج وحلول، وبمدى شعور المواطن بأن صوته يترك أثراً في القرار العام. والتحديث الاقتصادي لا يكتمل بإعلان المشاريع وجذب الاستثمارات ما لم يتحول إلى فرص عمل، وتحسن في مستوى المعيشة، وخدمات عامة يشعر المواطن بجودتها.
وهنا تبرز إحدى أهم رسائل الخطاب: لم يعد مقبولاً أن تبقى الإصلاحات عناوين جميلة في الوثائق؛ المطلوب أن تصبح أثراً ملموساً في حياة الناس.
ثانياً: في الإقليم… الأردن دولة توازن لا دولة انتظار
في منطقة تتنازعها الحروب، وتتداخل فيها المشاريع والنفوذ، وتُختبر فيها قدرة الدول على حماية مصالحها واستقلال قرارها، يثبت الأردن أنه ليس دولة تنتظر ما ستؤول إليه الأزمات كي تحدد موقعها، بل دولة تعمل على تحصين استقرارها، وصيانة أمنها، ومنع انتقال ارتدادات الصراعات إلى داخلها.
والأهم أن الأردن لا يفصل بين أمنه الوطني وأمن محيطه العربي؛ فالإرهاب، والتهريب، واضطراب الحدود، وتداعيات النزاعات، ليست ملفات منفصلة، بل حلقات في منظومة تهديد إقليمية واحدة. ومن هنا، فإن قوة الدولة الأردنية لا تنحصر في جاهزية مؤسساتها الأمنية والعسكرية، وإنما تمتد إلى قدرتها على بناء شبكة من التعاون والتنسيق، وتثبيت مفهوم الأمن المشترك من دون التفريط بالسيادة الوطنية.
إن الرسالة التي يبعث بها الأردن إلى محيطه هي أن الاستقرار ليس موقفاً سلبياً أو حياداً أمام المخاطر، بل خيار استراتيجي يحتاج إلى مؤسسات يقظة، ومجتمع متماسك، وقرار سياسي مستقل. فعمّان لا تبحث عن دور في صراعات الآخرين، لكنها لن تسمح بأن تتحول جغرافيتها أو أمنها أو مصالح شعبها إلى ساحة لتصفية الحسابات.
ثالثاً: في العالم… الأردن يطرح معادلة الأمن المرتبط بالكرامة الإنسانية
على المستوى الدولي، يقدّم الخطاب صورة دولة تدرك أن مفهوم الأمن في القرن الحادي والعشرين لم يعد عسكرياً فقط. فالأمن المائي، والأمن الاقتصادي، وجودة التعليم والصحة، وكفاءة الإدارة العامة، كلها مكونات مباشرة في مفهوم الأمن الوطني الشامل.
ولعل تكرار جلالة الملك التأكيد على أولوية المياه، بقوله: «المياه، المياه، المياه»، يحمل دلالة استراتيجية بالغة؛ فالمياه في الأردن ليست ملفاً خدمياً قابلاً للتأجيل، بل قضية سيادة واستدامة وحق للأجيال القادمة. وفي عالم تتزايد فيه الضغوط على الموارد الطبيعية، يصبح الأمن المائي جزءاً من معادلة الاستقلال الوطني، لا مجرد بند في خطط الوزارات.
كما أن الرسالة المتعلقة بمسؤولية المؤسسات العامة تضع الأردن في سياق دولي أوسع، حيث لم تعد شرعية الحكومات تُقاس فقط بسلامة الإجراءات الدستورية، بل بقدرتها على الإنجاز، والاستجابة للمواطن، وإدارة الموارد بكفاءة، وصون الثقة بين الدولة والمجتمع.
وهنا يمكن قراءة الخطاب بوصفه تأكيداً على أن قوة الدولة الحديثة لا تقوم على الردع وحده، ولا على النمو الاقتصادي وحده، بل على توازن دقيق بين الأمن والعدالة، وبين الاستقرار والإصلاح، وبين قوة المؤسسات وكرامة الإنسان.
رابعاً: الرسالة الأبعد… قيادة لا تفصل بين الحزم والمسؤولية
في تقديري، تكمن خصوصية هذا الخطاب في توقيته وسياقه بقدر ما تكمن في مضامينه. فقد جاء بعد اختبار أمني موجع، وفي لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، لكنه لم يحصر أجندة الدولة في مواجهة التهديد؛ بل أعاد وضع ملفات الإصلاح والاقتصاد والمياه والخدمات وسيادة القانون في قلب الأولويات.
وهذا تحديداً ما يمنح الخطاب بعده السياسي الأعمق: أن الدولة لا تسمح للأزمة بأن تختصر مستقبلها، ولا تسمح للخطر بأن يصرفها عن مشروعها. فالحزم في مواجهة الإرهاب لا يعني تجميد مسارات التنمية، والانشغال بالإصلاح لا يعني التهاون في حماية الأمن، والانفتاح على العالم لا يعني التنازل عن الثوابت الوطنية.
إنها معادلة الدولة التي تعرف أن أمنها ليس غاية منفصلة عن التنمية، وأن التنمية لا يمكن أن تزدهر في غياب الأمن، وأن الثقة بين القيادة والشعب هي الرصيد الذي يحمي الدولة حين تتكاثر الأزمات.
الخلاصة: الأردن لا يكتفي بالصمود… بل يصرّ على صناعة المستقبل
إذا كان العالم يقرأ خطاب العرش من زاوية ما يقوله عن الأردن، فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إليه أوسع من حدود المملكة: هناك دولة عربية اختارت أن تواجه الإرهاب من دون أن تتخلى عن الاعتدال، وأن تحمي استقرارها من دون أن تتوقف عن الإصلاح، وأن تتمسك بثوابتها من دون أن تنكفئ عن محيطها والعالم.
وفي زمن تتبدل فيه التحالفات، وتتراجع فيه بعض المبادئ أمام حسابات القوة، يقدّم الأردن موقفاً يستند إلى وضوح الهوية وثبات الدولة ومسؤولية القيادة.
لقد كان خطاب العرش إعلاناً بأن الأردن لا يريد أن يكون مجرد دولة نجت من عواصف الإقليم، بل دولة تمتلك إرادة عبور العواصف وصناعة ما بعدها؛ دولة تحرس حاضرها بعينٍ لا تنام، وتبني مستقبلها بعقلٍ لا يتردد، وتستمد قوتها من شعبٍ يعرف أن الوطن ليس مساحةً على الخريطة، بل عهدٌ لا يُساوَم عليه.
وفي قلب هذه المعادلة، تقف القيادة الهاشمية بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، حاملةً مسؤولية حماية الدولة وصون رسالتها، ومؤكدةً أن الأردن، مهما اشتدت حوله العواصف، سيبقى أكبر من أزماته، وأعمق من جغرافيته، وأرسخ من رهانات المتربصين به.