الأردن .. قوة الدولة وكرامة المواطن وأمانة المستقبل
المحامي د. رفعت الطويل
03-11-2026 12:05 AM
ارتبط تاريخ الأردن بمحطات مفصلية صنعت ملامح دولته، ورسّخت قيم الانتماء والمواطنة، وشكّلت عبر عقود من العمل والتضحيات شعوراً مشتركاً بأن مستقبل الوطن مسؤولية تتوارثها الأجيال، فمن عهد المغفور له بإذن الله الملك الحسين بن طلال، الذي ارتبط بتعريب قيادة الجيش عام 1956، ورعاية الميثاق الوطني عام 1991، إلى عهد جلالة الملك عبدالله الثاني، الذي شهد محطات مهمة في الإصلاح السياسي والاقتصادي، وتوسيع المشاركة الشعبية في صنع القرار. وفي هذا السياق، يبرز دور سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد الأمين، في دعم تمكين الشباب، وتعزيز مشاركتهم الاقتصادية والمجتمعية، وتطوير قدراتهم في مجالات القيادة والابتكار. وتعكس هذه المحطات تعاقب المسؤولية الوطنية وتطور أولويات الدولة، وتضع أمام الجيل الحاضر واجب صون منجزاتها ومواصلة العمل بما يحفظ للأجيال القادمة فرصاً أوسع للحياة والإنتاج.
من هذه الزاوية، يمكن قراءة خطاب العرش السامي في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين بوصفه تحديداً لأولويات تتصل بمسار الدولة وموقع المواطن فيه. فقد تناول الخطاب حماية الأمن الوطني، والقضية الفلسطينية، والمشاريع الاقتصادية الكبرى، والأمن المائي، ودور المؤسسات الدستورية، وسيادة القانون. وتلتقي هذه الملفات عند مسؤولية إدارة إمكانات الأردن بما يعزز استقراره، ويوسع فرص العمل والإنتاج، ويحفظ للأجيال المقبلة شروط حياة أكثر أمناً واستدامة.
تبدأ هذه المسؤولية من حماية الوطن والإنسان. فاستذكار شهداء الكرك في خطاب العرش يستحضر قيمة التضحية في وجدان الدولة، ويعيد التأكيد على أن الأمن الذي ينعم به الأردنيون ثمرة جهود وتضحيات تستحق الوفاء. وقد وصف جلالة الملك دماء شهداء الكرك بأنها «عهد في أعناقنا»، وهي عبارة تحمل دلالة عميقة على الوفاء لتضحياتهم، وتجعل الحفاظ على أمن الوطن ووحدته وصون كرامة الإنسان مسؤولية وطنية مشتركة. كما تقوم حماية الأمن الوطني على تكامل أدوار المؤسسات المختصة مع وعي المجتمع وثقته بقدرة الدولة على حماية مواطنيها ومقدراتها.
وفي امتداد للموقف الأردني، تظل القضية الفلسطينية في صلب المسؤولية السياسية للدولة. فقد أكد جلالة الملك استمرار ثبات الأردن على مواقفه تجاه قضايا الأمة والدفاع عنها، مستحضراً هذا الامتداد بقوله: «كما كان أبي من قبلي وسيكون ابني من بعدي». ويكتسب هذا التأكيد أهميته في ظل استمرار المأساة الإنسانية في غزة، وتصاعد الاعتداءات في الضفة الغربية والقدس، وما تحمله هذه التطورات من تداعيات تتجاوز حدود الجغرافيا الفلسطينية. ويستند الموقف الأردني إلى حق الشعب الفلسطيني في أرضه وتقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة، وإلى حماية المقدسات في إطار الوصاية الهاشمية، باعتبار ذلك جزءاً من ثوابت الدولة وامتداداً لمسؤوليتها التاريخية تجاه القدس.
وعلى المستوى الداخلي، ينبغي أن تكون كرامة الأردني حاضرة في كل تقييم للسياسات العامة. فتُختبر جدوى السياسة الاقتصادية والاجتماعية في تفاصيل حياة المواطن: فرصة عمل مستقرة، وتعليم يفتح آفاقاً حقيقية، وخدمة صحية ذات جودة، وبيئة محلية تتيح للناس المشاركة في النشاط الاقتصادي. كما تظهر عدالة التنمية في قدرة المحافظات على استثمار ميزاتها ومواردها، وفي وصول ثمار الاستثمار والخدمات إلى المناطق التي تنتظر فرصاً أوسع للنمو. فالمواطن هو الغاية من السياسات العامة، ونتائجها في حياته المعيار الأوضح للحكم على فاعليتها.
وفي هذا الإطار، تكتسب المشاريع الكبرى أهمية تتصل بمستقبل الاقتصاد الأردني وقدرته على توسيع قاعدته الإنتاجية. وقد دعا خطاب العرش إلى تسريع إنجاز هذه المشاريع، بما يعزز منعة الاقتصاد ويدعم دور الأردن في الإقليم. وتُقاس جدواها بما يُنتظر أن تحققه من فرص عمل، وتحفيز للاستثمار، وتحسين للبنية التحتية، وتعزيز لقدرة الاقتصاد على الإنتاج، بما يجعل أثرها الاقتصادي والاجتماعي واضحاً وقابلاً للتقييم. ويتطلب ذلك متابعة دقيقة لمراحل الإنجاز، ووضوحاً في المسؤوليات، وقياساً للعائد التنموي، حتى تتناسب كلفة هذه المشاريع مع القيمة التي تضيفها للاقتصاد والمجتمع.
ومن بين الملفات التي أبرزها جلالة الملك بعبارة لافتة: «المياه، المياه، المياه!»، يتقدم الأمن المائي بوصفه مسألة تمس قدرة الأردن على حماية استقراره واستمرار تنميته. وقد أكد الخطاب مواصلة مشاريع الأمن المائي ووضع خطط استباقية لحماية موارد الوطن، بما يضمن استدامتها وحقوق الأجيال القادمة. وتكشف هذه الأولوية عن طبيعة التحدي الذي يواجه الدولة؛ فالمياه ترتبط بإنتاج الغذاء، واستمرار النشاط الاقتصادي، والتوسع العمراني، وجودة الحياة. ولذلك تتحدد قيمة المشاريع المائية بقدرتها على زيادة كفاءة التزويد، وتقليل الفاقد، وحماية المصادر، وتأمين احتياجات السكان والقطاعات الإنتاجية على المدى البعيد. فالمورد الذي نحسن إدارته اليوم جزء من حق الأجيال القادمة في مستقبل قابل للحياة.
وتتطلب إدارة هذه الملفات نهجاً عاماً يقوم على وضوح المسؤولية وشفافية القرار وقياس النتائج. وهنا تبرز أهمية الفصل بين مكانة مؤسسات الدولة والسياسات التي تتبناها الحكومات والقرارات التي تصدر عنها. فالمؤسسات الوطنية والدستورية تمثل إطار استمرار الدولة، فيما تتيح مراجعة السياسات وتقييم البرامج ومناقشة آثارها تصويب الخيارات وتحسين الأداء. والنقد السياسي المسؤول يتناول القرار والبرنامج والنتيجة، ويستند إلى الوقائع والحجج، ويضع المصلحة العامة معياراً للحكم.
وفي هذا السياق، تبرز ضرورة صون الوظيفة العامة من الاستغلال، وترسيخ مبدأ أن المنصب تكليف لخدمة الوطن والمواطن، وأن الصلاحيات الممنوحة للمسؤول أمانة ترتبط بالمصلحة العامة. فاستغلال الموقع الوظيفي لتحقيق منفعة شخصية، وتوظيف النفوذ لخدمة المصالح الخاصة، يتعارضان مع جوهر المسؤولية العامة ومقتضيات النزاهة. وقد أكد خطاب العرش هذا المبدأ بوضوح، حين شدد على أن الوظيفة العامة مسؤولية لخدمة الناس، وأنه لا حصانة لمن يسيء استخدام منصبه، وأن القانون لا يعرف اسماً ولا منصباً ولا نفوذاً. وتظل المساءلة مبدأً عاماً يشمل كل من يتولى مسؤولية عامة، مهما كان موقعه، وترتبط بمدى التزامه بالقانون، وحسن استخدامه لصلاحياته، وحفاظه على المال العام ومقدرات الدولة. وتترسخ الثقة حين تطبق قواعد المحاسبة على الجميع، ويكون معيار التقييم هو أداء المسؤول والنتائج التي يحققها، وفق أحكام القانون ومقتضيات العدالة.
وتكتمل هذه المنظومة بدور مجلس الأمة في التشريع والرقابة ومتابعة أداء الحكومة. فالحياة البرلمانية تكتسب قيمتها من قدرتها على مناقشة الأولويات الوطنية بجدية، وتمثيل مصالح المواطنين، وممارسة الرقابة على أساس المعلومات والوقائع. وتظهر المسؤولية البرلمانية في مضمون التشريعات والرقابة، كما تظهر في مستوى الحوار والسلوك السياسي، وفي قدرة المجلس على تقديم نموذج يعزز ثقة المواطنين بالحياة النيابية. ويمكن لاختلاف الآراء داخل المجلس أن يثري العمل العام حين يستند إلى الحوار واحترام الدستور وتغليب المصلحة الوطنية. وتبقى المشاركة السياسية وسيلة لتوسيع حضور المواطنين في الشأن العام، وتعزيز الصلة بين القرار العام واحتياجات المجتمع.
إن مسؤولية الحاضر تُقاس بما يتركه من أثر يتجاوز حدود اللحظة. وفي هذا المعنى يقول الله تعالى: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ .
تحمل هذه الآية دعوة إلى محاسبة العمل بآثاره، وإلى استحضار المستقبل عند اتخاذ القرار في الحاضر. وهي دلالة تمتد إلى مسؤولية الدولة في إدارة مواردها، وصيانة مؤسساتها، وحماية كرامة مواطنيها، وتهيئة فرص الأجيال القادمة. فالأردن الذي نريده غداً يتشكل بما نقرره ونعمله اليوم؛ بمواطنة راسخة تعزز تماسكه، ومؤسسات تصون استمراره، وسياسات تحترم كرامة الإنسان، ومقدرات تُدار بعقل يضع حقوق الأجيال القادمة في الحسبان.
حفظ الله الأردن وطناً عزيزاً آمناً، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني وسمو ولي عهده الأمين، وأمدّهما بالعون والتوفيق، وحمى جيشنا العربي المصطفوي، وأجهزتنا الأمنية، ورجالها الأوفياء الساهرين على أمن الوطن وسلامة أبنائه، ليبقى الأردن وطن العز والكرامة عزيزاً منيعاً قوياً راسخاً بمؤسساته، ماضياً بثقة نحو المستقبل وأدام على شعبه وحدته وتماسكه وعزيمته، ورحم شهداءنا الأبرار.