تجار الشعارات وغشاشو الزيت
رمزي الغزوي
05-11-2026 12:35 AM
نتذكر في سيد المواسم بعض مخاتلات باعة الزيت الذين كانوا يسمون في زمن بعيد بالخَطارين، لأنهم يسافرون أو يخطرون به من بلدة إلى أخرى. بعضهم كان يغش زيته وهو يرتجف يتوجس خلف الكلمات وظلال الوقوع في الحرام. ولأن ضمائرهم كانت نصف حية؛ فقد كانوا يجنحون إلى المواربة والتلاعب بالألفاظ، والتورية المنمّقة لتسويق بضاعتهم. بعضهم يطلي رقبته بزيت زيتون لا تشوبه شائبة قبل أن يغادر بيته، وأحيانا يكحّلون به عيونهم، أو يمسحون أطفالهم بطبقة رقيقة منه. ملاعين حرسي.
كلنا يعرف أن طاقة الفرج تنفتح على رحابتها عند البيع إذا أتيح للغشاش أن يحلف يمينا على صدق قوله ونقاء زيته وجودته. وهنا سنسمع أيمانا غليظة رنانة طنانة مموسقة ومدبجة ببحة الخشوع، وسنسمع شعط الطلاقات البائنة للزوجات البعيدات، وأنت لا تدري أنه طلق زوجته ثلاث مرات حتى الآن، والنهار لم ينتصف بعد.
البعض منهم لم يصلوا لدرجة «الكوشكة» الكاملة والتصلب في عصعوص الضمير، وما تزال بقية خضراء في جوانيتهم، هؤلاء يعمدون أن تكون أيمانهم هادئة لتبدو صادقة. لا سيما حين يقول على رقبتي زيت بلدي، أو على عيوني زيت بلدي، وإذا ظل المشتري متخوفا موسوسا، فهنا يرفع الغشاش عقيرته بما يشبه الدعاء المبحوح «على أولادي زيت بلدي».
بالطبع فاليمين لا تكون إلا على نية سامعها، لا على فهلوة حالفها، ولكن لربما سنقول إن عجاج الطريق ربما يغطي الرقبة فيجعل يمينهم مختلة التوازن، أو أن ولداً من الأولاد قد نقعته أمه في لقن الغسيل ريثما ينال حماما ساخنا يخرج جلده السابع ويبطل يمين أبيه.
ما علينا. كل ما سبق، كان أيام البساطة والناس ذوي الضمائر لم تتحجر بعد، وقبل ظهور أساليب التسويق المنمقة الجاذبة على مواقع التواصل الاجتماعي التي يقع فيها الناس البسطاء الذين يعتقدون أن الآخرين صادقون مثلهم. ومع ذلك نحن لا نهاب أؤلئك الحرامية المغموسين باللصوصية الرخيصة، كما نهاب المطليين بشعارات تتلألأ كزيت أصيل.
هؤلاء هم مقتلنا على مر الدهور، ومنهم علينا أن نخاف ونتوجس ونتحسس ونحترص، وأن نضع أيادينا على دفوف قلوبنا. أما غشاشو الزيت التافهون؛ فعلى الحكومة أن تجد حلا معهم وهي قادرة على ذلك، وعلى كل الأحوال على المواطن أن يكون حذرا من قبل ومن بعد، من سطوة الشعارات وغش الزيتات.
الدستور