هل آن أوان مراجعة إجراءات الوقاية بعد الإفراج؟
عطاف الروضان
05-11-2026 08:15 PM
لا توجد كلمات تصف ما حدث اليوم : استشهاد شاب في مقتبل العمر شاءت الأقدار ان يكون على رأس عمله في جهاز الأمن العام، ولا شيء من الممكن أن يخفف صدمة أخرى بعد جريمة الكرك بأيام.
لا جدال أن الأردن لم يكن بعيدا يوما عن مرمى الإرهاب ومخططاته، ولم يزده ذلك إلا صمودا وشعبه أكثر تماسكا، ففي لحظة الحقيقة لا يستقر الخوف العابر في القلوب وتهرب الحيرة التي سكنت العيون لساعات وتظل القناعة الراسخة أن هذا بلد اعتاد التحدي ولم يخسر معركة من معاركه يوما!
لا بد لمعركة الوعي اليوم ان تحسم ونسقط كل الحسابات والانتماءات والقناعات وكل صوت يشتت البوصلة لنضبطها على إيقاع المواطنة والانتماء للوطن وحده والولاء لقيادته.
لا أظن ان هذا سيتم إلا إذا تغير النهج الحكومي ليصبح أكثر قربا من الناس وأكثر تحسسا لحاجاتهم، وتسترجع المؤسسات أدوارها ليقوم كل من فيها، من أصغر موظف إلى رأس الهرم فيها بواجباته الموكلة إليه بأمانه فعلا لا قولا، أن يشعر كل أردني بأهمية ما يقوم به وتأثيره، ولا تسيطر قاعدة "حط راسك بين هالروس" ولا يسمى من يقوم بواجبه "ريادي" نفرح بإنجازاته لأنه استثناء على قاعدة التراخي والتهرب من المسؤولية!
يبدو ذلك حديثا عاما، لكنه أساس الخلل: عدم المتابعة وغياب التكاملية بين المؤسسات ما أحدث شروخا تسلل منها ما تسلل من مآسي إدارية وحتى أخلاقية أثرت على الأداء العام ثم على المجتمع، كيف لا فهي دائرة متصلة ومن أسوأ ما تسلل: مصائب الفكر التكفيري الإرهابي المتطرف .
قلنا مرارا الإرهاب لا يولد فجأة، فلا بد لها من حواضن محلية وأخرى تتجاوز الحدود تملأ الفراغ الذي حدث : بسبب تراخي، تقاعص، عدم كفاءة ..الخ سم ما شئت من أسباب، ولكنها جميعها عوامل بشرية تركت فراغا ملأه فكر خارج استغل جهل أو غضب شباب لا فرق، وغرس سكاكينه المسمومة في قلب الوطن!
تجمع حادثتي الكرك وعمان مسألة بالغة الخطورة بعيدا: اثنان منهما كانا نزيلي مراكز إصلاح وتأهيل وتمت إدانتهما بجرائم إرهابية، ولا نذيع سرا عندما يدور حديث ان كثير من الإرهابيين وحاملي الفكر التكفيري وجدو في السجن فرصة لتعزيز ذلك الفكر -بفعل التقائهم معا بحكم أمر الواقع وتبادل الأفكار والخبرات وحتى الأحلام – على أمل تحقيقها في المستقبل، ونقع هنا في فخ :ماذا يحدث بعد خروجهم من السجن وهل منظومة المتابعة كافية ؟!
ونعيد التساؤل " كيف نحمي المجتمع من تكرار مثل هذه الجرائم، وما الذي ينبغي مراجعته في منظومة الوقاية والمتابعة لمن لهم سجل سابق في قضايا مرتبطة بالإرهاب والتطرف، كحادثتي الكرك وعمان ؟
التكاتف المجتمعي وصلابته في رفض هذا الفكر لا يعفي المنظومة المؤسسة ذات العلاقة من مراجعة الإجراءات والسياسات التي يمكن أن تسهم في حماية الناس وتقليل احتمالات تكرار تلك الجرائم.
يجب فتح حوار شفاف ومسؤول حول فاعلية آليات تقييم المخاطر، وبرامج إعادة التأهيل و الحاجة إلى إجراءات متابعة تتناسب مع طبيعة بعض الجرائم وخطورتها، مثل "السوار الإلكتروني" مثلا كأحد الخيارات التي تستحق البحث بعقل منفتح.
صحيح ان لدينا تجربة في استخدام الرقابة الإلكترونية ضمن بدائل التوقيف والعقوبات بما يسمح في الحالات التي يجيزها القانون بمتابعة حركة الشخص ضمن نطاق جغرافي محدد، والتنبيه عند مخالفة شروط الرقابة.
ولكن هل يمكن تطوير إطار قانوني واضح يتيح عند توافر مبررات جدية و بقرار من الجهة القضائية المختصة استخدام وسائل رقابة إلكترونية مناسبة لمتابعة أشخاص محددين بعد الإفراج عنهم خاصة المدانين بجرائم إرهابية او اخرى خطيرة تهدد الأمن والسلم المجتمعي ومغتصبي الأطفال ومكرري جرائم القتل ..الخ.
بالتأكيد أن السوار الإلكتروني أو وسائل التتبع الأخرى قادرة بشكل قاطع على منع الإرهاب ولا أن كل من أنهى مدة محكوميته يمثل خطرًا على المجتمع، فهذا تعميم يخلط بين المسؤولية الفردية والاشتباه الجماعي ويتعارض مع مبدأ أصيل باحترام الحقوق والحريات و أي قيد عليها يجب أن يستند إلى القانون والضرورة والتناسب وأن يخضع للرقابة والمراجعة.
لكن اتخاذ وسائل رقابة وقائية هو مصلحة مجتمعية فضلى لا يجب ان تحدها الانتهاء من تنفيذ العقوبة وحدها إذ لا بد من التأكد عبر برامج تأهيل في مراكز الإصلاح فعالة أن من أنهى العقوبة لديه استعداد لا شك فيه ان يعود إلى حاضنته المجتمعية كمواطن صالح ومنتج، لا شخصا قدميه على أرض الوطن ورأسه مرهون لأعدائه ويده تحمل سلاحا يشهر في وجه وصدور أبنائه.
نستند إلى القانون بعد دراسة الحالة كاملة واتخاذ تدابير وقائية ورقابية ضمن منظومة توازن بين حق الفرد في استعادة حياته بعد تنفيذ العقوبة وحق المجتمع في الأمن وحق الضحايا المحتملين في ألا يُتركوا عرضة لخطر كان من الممكن رصده والتعامل معه.
آليات الرقابة والمتابعة لا تقتصر على "السوار الإلكتروني" فهو اجراء ضمن منظومة أوسع تشمل التقييم الدوري للمخاطر وبرامج إعادة التأهيل والمتابعة المتخصصة للحالات التي تستدعي ذلك وتبادل المعلومات وفق الأطر القانونية والتعامل المبكر مع مؤشرات التحريض على العنف والتطرف، كل ذلك يستند لمعايير واضحة تحدد الحالات التي يجوز فيها تطبيق الرقابة ومدتهاوالجهة المسؤولة عنها وآليات الاعتراض على القرار ومراجعته.
لدينا خبرات أمنية وقانونية وقضائية تتفوق على التكنولوجيا في مجال التقييم المهني الموزون، تؤمن وتعرف أن لرقابة وحدها لا تعالج الأفكار المتطرفة أو تمنع بالضرورة ارتكاب الجرائم لكنها توفر ضمن إطار قانوني مدروس وسيلة إضافية للكشف عن المخالفات والاستجابة لها بما يعزز منظومة الوقاية ولا يحل محلها.
مواجهة التطرف لا تبدأ بعد وقوع الجريمة ولا تنتهي عند صدور الحكم القضائي إنها مسؤولية متكاملة تبدأ برصد المخاطر وتمر بالعدالة والمحاسبة وإعادة التأهيل وتمتد إلى تقييم فاعلية الإجراءات المتخذة بعد الإفراج من دون وصم اجتماعي أو انتقاص من الحقوق.
لقد خسر الأردن أرواحًا لا يمكن لأي إجراء لاحق أن يعيدها إلى أهلها لكن الوفاء يستوجب مراجعة جادة وشفافة لكل ما يمكن تحسينه لمنع تكرار ما حدث، ومهما فعلنا لا يمكن ان نعيد لأم وأب ابنا ولا تداوي قلبا مفجوعا ولا تقنع دمعة عائلة بالتوقف، ولكننا على الأقل نحاول أن نحمي عائلة أخرى ان تمر بذات التجربة!