محاربة التطرف تبدأ من الطفولة: الاستثمار في الإنسان ركيزة للأمن الوطني
أ. ديما القيسي
29-10-2026 08:35 PM
لا تُقاس قوة الدول بقدرتها على مواجهة الأزمات بعد وقوعها فحسب، بل بقدرتها على استباقها ومعالجة أسبابها، وبناء مجتمع يمتلك من الوعي والقيم ما يحصّنه من الكراهية والتعصب والتطرف. ومن هذا المنطلق، فإن محاربة التطرف لا ينبغي أن تظل محصورة في الإجراءات الأمنية والتشريعية والعقوبات، بل يجب أن تبدأ من مرحلة مبكرة جدًا، من السنوات الأولى في حياة الإنسان، حيث تتشكل ملامح شخصيته، وتتأسس قيمه، وتتكون نظرته إلى وطنه ومجتمعه والآخرين.
إن الطفولة المبكرة ليست شأنًا تربويًا محدودًا، بل قضية وطنية واستثمار استراتيجي في أمن المجتمع واستقراره. فالطفل الذي ينشأ في بيئة تعزز شعوره بالأمان والانتماء، وتعلّمه احترام القانون والآخرين، وتمنحه القدرة على الحوار والتفكير، يمتلك أساسًا مهمًا لمواجهة الأفكار الإقصائية وخطابات الكراهية. ومن هنا، فإن الاستثمار في هذه المرحلة يمثل أحد المسارات الوقائية التي ينبغي أن تحظى بمكانة متقدمة في السياسات الوطنية.
وفي الأردن، حيث يشكل الاعتدال والوسطية والانتماء الوطني ركائز مهمة في بناء المجتمع، تبرز الحاجة إلى ترجمة هذه القيم إلى ممارسات تربوية يومية، تبدأ من الأسرة وتمتد إلى رياض الأطفال والمدارس وسائر المؤسسات المجتمعية. فالولاء للوطن لا يُبنى بترديد الشعارات وحدها، بل بتعزيز المسؤولية والمواطنة واحترام الحقوق، وترسيخ قناعة لدى الطفل بأن قوة المجتمع تكمن في تماسكه وقدرته على استيعاب الاختلاف، لا في إقصاء من يختلف عنه.
وتتحمل مؤسسات الطفولة المبكرة مسؤولية تتجاوز تعليم الحروف والأرقام؛ فهي تسهم في بناء الشخصية وتنمية المهارات الاجتماعية والعاطفية، وتعليم الأطفال الحوار والتعاون وضبط الانفعالات وحل النزاعات بطرق سلمية. ولذلك، فإن دعم هذا القطاع وتأهيل كوادره وتطوير برامجه يجب أن يكون جزءًا من رؤية وطنية متكاملة للوقاية من التطرف وتعزيز التماسك الاجتماعي.
غير أن مسؤولية بناء الوعي لا تقع على المؤسسات التربوية وحدها، فالأسرة هي البيئة الأولى التي يتعلم فيها الطفل كيف ينظر إلى الآخرين. وهنا تبرز أهمية تثقيف الأهالي، وتصحيح المفاهيم الخاطئة التي قد تتحول، دون وعي، إلى أحكام مسبقة تنتقل إلى الأبناء وتترسخ في عقولهم منذ الصغر.
ومن الأمثلة الواضحة على ذلك رفض بعض الأهالي دمج الأطفال ذوي الإعاقة أو ذوي الاحتياجات التعليمية المختلفة في بيئات الطفولة المبكرة، بسبب مخاوف أو تصورات غير دقيقة. إن مثل هذه المواقف تستدعي حوارًا مجتمعيًا جادًا؛ لأن الطفل الذي يشاهد الإقصاء يتعلم أن الاختلاف مبرر للاستبعاد، بينما يتعلم الطفل الذي ينشأ في بيئة دامجة أن لكل إنسان كرامته وحقوقه ومكانه في المجتمع. فالدمج المدروس، حين تتوافر له البيئة المناسبة والدعم المتخصص، ليس مجرد إجراء تعليمي، بل ممارسة عملية لترسيخ قيم المواطنة والعدالة وتقبّل التنوع.
إن مواجهة هذه التصورات تتطلب برامج توعوية موجهة للأسر، وشراكة حقيقية بينها وبين المؤسسات التربوية، وخطابًا مجتمعيًا يؤكد أن الاعتدال لا يعني التشابه، وأن الانتماء لا يتعارض مع احترام الاختلاف. فالأفكار الإقصائية لا تنشأ دائمًا في لحظة واحدة، بل قد تتشكل تدريجيًا من مواقف صغيرة ورسائل متكررة، الأمر الذي يجعل التدخل التربوي المبكر ضرورة لا يجوز تأجيلها.
ومن منظور السياسات العامة، فإن المطلوب هو الانتقال من المبادرات المتفرقة إلى نهج وطني واضح، يدمج الوقاية المبكرة ضمن سياسات الطفولة والتعليم والحماية الاجتماعية. ويشمل ذلك توفير خدمات طفولة مبكرة عالية الجودة، وتأهيل المعلمات ومقدمي الرعاية، وتمكين الأسر بالمعرفة، وتعزيز ثقافة الحوار والتفكير النقدي بما يتناسب مع أعمار الأطفال، إلى جانب تطوير مؤشرات تقيس أثر هذه الجهود في بناء بيئات آمنة وشاملة.
ولا يعني هذا الطرح التقليل من أهمية الدور الأمني أو القانوني في مواجهة التطرف، وإنما التأكيد على أن هذه الأدوار تصبح أكثر تكاملًا عندما تسندها سياسة وقائية تعالج عوامل الخطر وتعزز عوامل الحماية. فالمجتمع لا يحتاج إلى مواجهة النتائج فحسب، بل إلى تقليل فرص نشوء الظروف التي تسمح للكراهية والعنف بالتجذر والانتشار.
إن الاستثمار في الطفولة المبكرة هو استثمار في رأس المال البشري، وفي قدرة الدولة على بناء أجيال أكثر وعيًا ومسؤولية وانتماءً. وهو خيار تنموي طويل الأجل، ينبغي أن يُنظر إلى عائده من خلال أثره في التعليم والصحة والتماسك الاجتماعي والوقاية، لا من خلال كلفته المباشرة وحدها.
إن الأمن الوطني لا يبدأ عند وقوع الخطر، بل يبدأ من بناء الإنسان القادر على حماية وطنه بقيمه ووعيه وسلوكه. ومن هنا، فإن محاربة التطرف مسؤولية تتطلب رؤية تتجاوز ردود الفعل إلى الوقاية، وتتجاوز العقوبة إلى بناء الوعي، وتنتقل من معالجة الأزمات إلى الاستثمار في الأجيال.
فالدولة التي تستثمر في طفولتها اليوم، إنما تستثمر في استقرارها غدًا؛ والوطن الذي يزرع في أطفاله الولاء الواعي، والاعتدال، واحترام التنوع، لا يحمي مستقبله من التطرف فحسب، بل يؤسس لمجتمع أكثر تماسكًا وعدالة وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل