داعش تبحث عن خاصرة رخوة، والثقة هي خط الدفاع الأول
بيان ناصر النوافله
29-10-2026 08:32 PM
لا تبدأ كل المعارك باختراق الحدود أو باستخدام السلاح. أحياناً يكفي أن تنجح التنظيمات المتطرفة في إحداث أزمة ثقة ودفع الناس إلى التشكيك بمؤسساتهم، حتى تحقق بعض ما عجزت عن تحقيقه بالقوة. وهذا ما ينبغي أن يدركه الأردنيون وهم يتابعون تداعيات العملية العسكرية التي نفذتها القوات المسلحة الأردنية في الجنوب السوري والجدل الذي أعقبها.
في الجمعة الماضية، هزّت جريمة إطلاق النار على مواطنين أردنيين خلال مراسم جنازة في كنيسة حمود بمحافظة الكرك مشاعر الأردنيين، وأسفرت عن مقتل تسعة أشخاص وإصابة آخرين. وأعلنت الحكومة توقيف المشتبه بهم، فيما تحدثت الجهات الأمنية عن ارتباطهم بفكر تكفيري متطرف. وفي مساء الاثنين، نفذت قواتنا المسلحة عملية "الردع الأردني - حمود"، مستهدفة مواقع قالت إنها مرتبطة بالتنظيمات الإرهابية في الجنوب السوري.
وأكد الجيش أن العملية جاءت رداً على جريمة الكرك، استناداً إلى معطيات تشير إلى ارتباط منفذيها بأفراد ينتمون إلى داعش في الجنوب السوري، وأن هؤلاء يشكلون تهديداً وشيكاً للأمن الوطني الأردني. وأعلنت الحكومة مقتل أكثر من عشرين عنصراً من التنظيم وتدمير مستودع أسلحة، وفق التقديرات العملياتية الأولية.
لم تكن العملية استعراضاً للقوة أو سعياً إلى توسيع المواجهة مع سوريا، بل إجراءً أمنياً استند إلى معلومات ميدانية عن تهديد مباشر. فحين تتوافر لدى الدولة معطيات عن خطر وشيك، تصبح حماية مواطنيها مسؤولية لا تحتمل التأجيل أو التهاون.
عقب الغارات، أُعلن عن سقوط ضحايا مدنيين في الجنوب السوري، بينهم أطفال، فتحولت الواقعة إلى سجال إعلامي كان له بعض الإرتدادات السياسية. ووفق توضيح نقلته وسائل الإعلام الأردنية، لم تكن الخيمة التي سقط فيها أفراد مدنيين هدفاً للغارة، بل كان الاستهداف موجهاً إلى مبنى إسمنتي قريب تحصن فيه عنصراً من داعش، فيما امتد ضغط الانفجار إلى الخيمة المجاورة.
هذا التفصيل ليس عابراً؛ فهناك فارق بين تعمد استهداف المدنيين وسقوط ضحايا نتيجة آثار ضربة استهدفت موقعاً مرتبطاً بتهديد إرهابي. ولا يجوز استنتاج النية من وقوع الخسائر وحده، كما لا يجوز التقليل من مأساة الضحايا. وقد عبّر الموقف الأردني عن الأسف لسقوط مدنيين، مؤكداً أن العمليات تستهدف تحييد التهديدات الإرهابية لا المدنيين.
الصور المؤلمة تستثير التعاطف، لكنها لا تكفي وحدها لتحديد طبيعة الهدف أو النية وراء العملية. لذلك ينبغي أن تستند الأحكام إلى المعلومات الميدانية والتحقيق، لا إلى روايات متداولة على منصات التواصل قبل اتضاح الوقائع. فالثقة بالجيش لا تعني إغلاق باب التحقيق، كما أن المطالبة بكشف الملابسات لا تبرر الطعن المسبق بالمؤسسة العسكرية.
وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: من المستفيد من عودة الفوضى إلى الحدود الشمالية الأردنية؟
الجنوب السوري، بما يشهده من ثغرات أمنية ونشاط للجماعات المسلحة وشبكات تهريب الأسلحة والمخدرات، يوفر بيئة تستفيد منها التنظيمات المتطرفة. والمستفيد الأول من الفوضى هو داعش، التي خسرت مناطق سيطرتها لكنها ما زالت قادرة على العمل عبر خلاياها واستغلال الفراغات الأمنية والانقسامات الاجتماعية. كما تستفيد شبكات التهريب والجماعات المسلحة من ضعف الرقابة، وقد تجد أطراف أخرى في التوتر الأردني السوري فرصة لإرباك التعاون بين البلدين.
لكن داعش لا تبحث عن منفذ جغرافي فقط، بل عن ثغرة في الوعي أيضاً. فقد تسعى التنظيمات المتطرفة إلى إضعاف الثقة بالمؤسسات واستثمار منصات التواصل للتأثير العاطفي ونشر روايات مبتورة. وحين يُدفع الجمهور إلى اتخاذ موقف فوري اعتماداً على صورة واحدة أو معلومة غير مكتملة، تصبح الشائعات والاستقطاب فرصة يستفيد منها المتطرفون.
وفي هذا السياق، تداولت حسابات على منصات التواصل صوراً ثبت أنها تعود إلى أحداث سابقة، من بينها صور من عام 2016 وأخرى مرتبطة بالحرب في اليمن، إلى جانب صور يُشتبه في تعديلها باستخدام الذكاء الاصطناعي. ويستدعي ذلك التحقق من مصادر الصور وتواريخها قبل إعادة نشرها أو اعتمادها دليلاً على ما جرى. فالتضليل لا يحتاج إلى اختلاق رواية كاملة؛ بل يكفي إخراج صورة من سياقها لتوجيه الرأي العام وإثارة الشك في مؤسسات الدولة.
وللأردن تجربة إنسانية طويلة مع السوريين؛ فقد استقبل مئات آلاف منهم، ونشأت بين الشعبين علاقات عمل وجوار وصداقة ومصاهرة. لذلك فإن وضع الأردني أمام خيارين، إما التعاطف مع المدنيين السوريين أو الثقة بجيشه، معادلة زائفة. لا شك أن سقوط الضحايا والأبرياء مؤلم، لكن التعاطف معهم لا يتعارض مع الثقة بالجيش الذي يتحرك لحماية أمن الأردن استناداً إلى تقديراته ومعلوماته الميدانية والاستخباراتية.
فالجيش الأردني الذي واجه تهديدات الإرهاب والتهريب على الحدود وشارك في جهود مكافحة داعش، لا يجوز اختزال مهمته في اتهام غير مثبت بتعمد استهداف المدنيين. كما أن استقبال الأردن للسوريين والتزامه الإنساني تجاههم يؤكدان أن مواجهة التهديدات الأمنية لا تعني معاداة الشعب السوري أو تحميله مسؤولية أفعال الجماعات المتطرفة.
على الأردنيين أن يدركوا أن داعش تبحث عن خاصرة رخوة تدخل منها إلى الأردن. قد تكون ثغرة حدودية أو خلية نائمة أو شبكة تهريب، وقد تكون مساحة من الانقسام والشك. وإذا كانت القوات المسلحة تحمي الحدود بالسلاح والاستخبارات، فإن مسؤولية المجتمع تتمثل في حماية وعيه من التضليل والحفاظ على تماسكه.
ليس المطلوب التخلي عن التعاطف مع السوريين، وإنما التمييز بين التعاطف والتوظيف، وبين السؤال المشروع والاتهام غير المثبت. فالدولة لا تُحمى بالسلاح وحده، بل بمجتمع يعرف كيف يتعاطف دون أن يُستغل، ويطالب بالحقيقة دون أن يمنح أعداءه فرصة لتقويض ثقته بمؤسساته.