facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الأمن الفكري والسباق التشريعي: هل يسبق القانون الجريمة أم يواكبها؟


د خالد المعايطة
08-11-2026 11:17 AM

لم تعد التحديات الأمنية التي تواجه المجتمعات المعاصرة محصورة في صور الجريمة التقليدية، بل باتت تتخذ أشكالاً أكثر تعقيداً، تتداخل فيها الأبعاد الفكرية والأيديولوجية مع الوسائل التقنية والفضاء الرقمي. ولم يعد الإرهاب في بعض صوره الحديثة مقتصراً على التنظيمات المعروفة، بل أصبح قادراً على توظيف المنصات الرقمية لنشر الفكر المتطرف واستقطاب الأفراد وتحويل الأفكار المتشددة إلى سلوك إجرامي خارج الأطر التنظيمية التقليدية.

وفي ظل هذه التحولات، وما شهدته الساحة الأردنية من أحداث أمنية مؤلمة، تبرز ضرورة إعادة التفكير في فلسفة مواجهة الإرهاب، وعدم حصرها في الإجراءات الأمنية أو العقوبات الجنائية اللاحقة لوقوع الجريمة؛ فالمواجهة الحقيقية تبدأ من تحصين المجتمع فكرياً، وتجفيف منابع التطرف، وتعزيز ثقافة التسامح وقبول الآخر، بالتوازي مع تطوير المنظومة التشريعية والمؤسسية.

وفي هذا السياق، تبرز إحدى الإشكاليات الجوهرية في فلسفة القانون الجنائي، والمتمثلة في مدى قدرة التشريع على مواكبة التطور المستمر في أنماط الجريمة ووسائل ارتكابها. فالتشريع الجزائي يقوم على مبدأ الشرعية، الذي مؤداه أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني سابق على ارتكاب الفعل. وهذا المبدأ، وإن كان ضمانة أساسية لحماية الحريات ومنع التعسف، يفرض على المشرّع صياغة قواعد واضحة ومحددة، في حين أن الواقع الإجرامي يتطور باستمرار، وتستحدث فيه وسائل وأساليب لم تكن حاضرة عند وضع النصوص القانونية.

وهنا تظهر المفارقة بين طبيعة التشريع القائمة على الاستقرار والوضوح، وطبيعة الجريمة القائمة على التغير والتطور. غير أن ذلك لا يعني بالضرورة عجز النصوص القائمة عن استيعاب الصور المستحدثة للجريمة؛ فقد تكون القواعد العامة كافية لمواجهتها دون الحاجة إلى استحداث تجريم جديد مع كل تطور في وسائل ارتكابها.

وعليه، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن دائماً في غياب النص القانوني، بل في مدى قدرته على استيعاب المستجدات، وفي كفاءة تطبيقه وتفسيره دون الإخلال بمبدأ الشرعية.

وتزداد هذه الإشكالية تعقيداً عند التعامل مع الجرائم ذات الدوافع الأيديولوجية المتطرفة؛ ذلك أن العقوبة، مهما بلغت من الشدة، قد لا تكون وحدها كافية لردع شخص تحركه قناعات متشددة ودوافع عقائدية مغلقة. ولا يعني ذلك انتفاء وظيفة الردع العام والخاص، وإنما يكشف عن حدود الاعتماد على العقوبة باعتبارها الوسيلة الوحيدة لمواجهة ظاهرة تتجاوز في أسبابها ودوافعها نطاق السلوك الإجرامي المادي.

كما أن انتهاء المحكومية لا يعني بالضرورة زوال جميع العوامل التي دفعت إلى ارتكاب الجريمة، لكنه لا يبرر في المقابل افتراض استمرار الخطورة الإجرامية لدى كل من أنهى مدة عقوبته. ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين العود الجرمي بوصفه مفهوماً قانونياً، واستمرار تبني الفكر المتطرف، والخطورة المستقبلية التي ينبغي أن تستند إلى معايير موضوعية وأدلة معتبرة. فالسجن، إذا لم تقترن به برامج حقيقية للإصلاح والتأهيل، قد لا يحقق الغاية المرجوة منه في معالجة السلوك الإجرامي وإعادة الإدماج الاجتماعي.

وقد أدرك المشرّع الأردني أهمية مواجهة التحولات التي طرأت على طبيعة الجريمة، وهو ما انعكس في التشريعات الجزائية، وفي مقدمتها قانون العقوبات رقم (16) لسنة 1960 وتعديلاته، وقانون منع الإرهاب رقم (55) لسنة 2006 وتعديلاته. وقد امتدت المواجهة التشريعية إلى تجريم بعض الأفعال المرتبطة بالمراحل السابقة على وقوع الاعتداء الإرهابي، بما يعكس توجهاً نحو التدخل الوقائي وعدم الاكتفاء بمعالجة النتائج الإجرامية بعد تحققها.

ومع ذلك، فإن وجود النصوص القانونية لا ينهي النقاش حول مدى كفايتها وفاعليتها؛ فالتطور المستمر في أنماط الجريمة يفرض مراجعة دورية للتشريعات، ليس بالضرورة من خلال تشديد العقوبات، وإنما من خلال اختبار مدى وضوح النصوص وشمولها وقدرتها على استيعاب صور السلوك الإجرامي المستحدثة، بالتوازي مع تطوير برامج الإصلاح والتأهيل ودراسة الحاجة إلى أطر قانونية واضحة للتعامل مع المخاطر التي قد تثبت بعد انتهاء تنفيذ العقوبة.

إن التحول المطلوب في السياسة الجنائية لا ينبغي أن يكون انتقالاً من العقاب إلى المراقبة المطلقة، وإنما بناء منظومة متوازنة تجمع بين الوقاية والمساءلة والإصلاح. فالوقاية الاستباقية ضرورة تفرضها طبيعة التهديدات المعاصرة، لكنها لا تبرر فرض قيود على الأفراد لمجرد الاشتباه أو الافتراض، ولا تمنح السلطات صلاحيات تتجاوز الحدود التي رسمها القانون.

وهنا تبرز أهمية الدستور الأردني، ولا سيما المواد (7) و(8) و(101) و(128)، التي تؤكد صون الحرية الشخصية، وعدم جواز تقييدها إلا وفق القانون، وقرينة البراءة، وعدم المساس بجوهر الحقوق والحريات عند تنظيمها تشريعياً. وبناءً على ذلك، فإن أي توجه نحو إقرار تدابير احترازية أو متابعة لاحقة لبعض المحكوم عليهم ينبغي أن يستند إلى أساس قانوني صريح، وأن يرتبط بخطر جدي ومحدد، وأن يخضع لرقابة قضائية فعالة، مع مراعاة التناسب والمدة المحددة واحترام الخصوصية والحق في الطعن.

فحماية الأمن الوطني لا تتعارض مع ضمانات دولة القانون، بل إن احترام هذه الضمانات هو أحد أهم أسس مشروعية المواجهة الأمنية واستمرار الثقة بالمؤسسات.

وعلى الرغم من أهمية التطوير التشريعي والأمني، فإن اختزال مكافحة التطرف في النصوص العقابية والإجراءات الأمنية يظل معالجة جزئية لظاهرة متعددة الأبعاد؛ فالأمن الفكري يمثل أحد أهم مرتكزات الأمن الوطني، لأنه يتعامل مع البيئة التي قد تنشأ فيها الأفكار المتطرفة قبل تحولها إلى سلوك إجرامي. وهذا يتطلب تعزيز دور المؤسسات التعليمية والدينية والثقافية والإعلامية، وترسيخ قيم المواطنة والتسامح واحترام التنوع، ومواجهة خطاب الكراهية والتحريض على العنف.

كما ينبغي أن تمتد جهود الدولة إلى تطوير برامج متخصصة للإصلاح والتأهيل وإعادة الإدماج، بحيث لا تقتصر وظيفة المؤسسات الإصلاحية على تنفيذ العقوبة، بل تشمل معالجة العوامل المرتبطة بالسلوك الإجرامي والحد من احتمالات تكراره. فالأمن الفكري ليس مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، بل هو مسؤولية وطنية مشتركة تتكامل فيها جهود الدولة والأسرة والمدرسة والجامعة والمؤسسات الدينية والإعلام والمجتمع المدني.

إن قدرة القانون على مواكبة التحولات المتسارعة في أنماط الجريمة تظل من أبرز التحديات التي تواجه المشرّع في العصر الحديث. لكن التحدي الحقيقي أمام المشرّع الأردني لا ينبغي أن يقتصر على ملاحقة المستجدات بعد وقوعها، وإنما بناء منظومة قانونية ومؤسسية قادرة على استباق الخطر ومعالجة أسبابه ومنع تحوله إلى فعل إجرامي.

فالقانون لا يستطيع التنبؤ بكل صورة إجرامية مستقبلية، ولا ينبغي أن يتحول إلى نص مفتوح يجرّم الأفعال بناءً على احتمالات غير محددة؛ لكنه يستطيع أن يؤسس لقواعد مرنة وواضحة تتيح مواجهة المستجدات دون الإخلال بمبدأ الشرعية والضمانات الدستورية.

ومن هنا، فإن المرحلة الراهنة تتطلب سياسة جنائية أكثر استباقاً وفاعلية، تتكامل فيها اليقظة الأمنية مع الرقابة القضائية، والوقاية الفكرية مع التطوير التشريعي، وقوة الدولة مع احترام الحقوق والحريات.

فالدولة القوية ليست فقط تلك التي تستطيع معاقبة الجريمة بعد وقوعها، وإنما تلك التي تمتلك من الوعي والتشريع والمؤسسات ما يجعل وقوعها أقل احتمالاً، دون أن تتخلى عن المبادئ التي تقوم عليها دولة القانون.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :