من حمود إلى عمّان… تسعة شهداء ثم جواد السلايطة… هل أدركنا حجم الخطر الذي يواجه وطننا؟
المهندس احمد الغزو
08-11-2026 06:39 PM
ليس من السهل أن يكتب الإنسان عن وطنه وهو يرى دماء أبنائه تُراق، وليس من السهل أن تمر أيام قليلة على فاجعة وطنية حتى يجد الأردنيون أنفسهم أمام فاجعة أخرى.
في حمود بمحافظة الكرك، ارتقى تسعة من أبناء الأردن شهداء في اعتداء إرهابي استهدف كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس. لم يكن الاعتداء موجهاً إلى المسيحيين وحدهم، بل كان اعتداءً على الأردن كله، على تاريخه وهويته ووحدته الوطنية.
كانوا تسعة شهداء، وكانت الجريمة محاولة لضرب النسيج الوطني الذي بنته أجيال من الأردنيين، مسلمين ومسيحيين، بالشراكة والدم والعمل والانتماء.
وقلنا يومها إن حمود ليست وحدها، وإن الكرك ليست وحدها، وإن الأردن كله يقف مع أهلها؛ فالاعتداء على كنيسة أردنية هو اعتداء على مسجد أردني، وعلى كل بيت أردني.
وقبل أن يندمل جرح حمود، جاءنا خبر استشهاد العريف جواد السلايطة في عمّان، وهو يؤدي واجبه الأمني أمام السفارة السريلانكية، في مواجهة اعتداء إرهابي غادر.
جواد لم يكن رقماً في سجل الشهداء، بل كان رجلاً يحمل أمانة حماية الوطن. وحين حاول المعتدي الاستيلاء على سلاحه، تمسك جواد بسلاحه وواجبه، ولم يتراجع أمام الخطر، حتى ارتقى شهيداً.
سلام على روح جواد السلايطة، ابن الأردن الأصيل، الذي دفع حياته ثمناً لأمانة الواجب، ولم يسمح للمعتدي بانتزاع سلاحه.
وفي اللحظة التي كان فيها الخطر يهدد الجميع، تقدم الملازم الثاني فراس العنانزة، ابن شمال الأردن، ولم ينتظر أن يتقدم أحد غيره. واجه المعتدي بشجاعة، وتمكن من تحييده وإيقاف اعتدائه، وأصيب خلال المواجهة.
هنا تظهر حقيقة الرجال؛ لم ينتظر فراس حسابات الخطر والمكسب، بل تقدم حين اقتضى الواجب أن يتقدم.
وفي المقابل، فإن مشاهد بعض الذين اكتفوا بالمشاهدة والتصوير تفرض علينا سؤالاً أخلاقياً ومجتمعياً لا يجوز تجاهله.
لا نطالب كل مواطن بأن يخوض مواجهة مسلحة لا يملك القدرة عليها، لكننا نرفض أن تتحول مصائب الناس إلى مشاهد للفرجة، وأن تسبق الكاميرا الضمير، فيما يمكن تقديم المساعدة أو طلب النجدة أو إنقاذ إنسان.
فما قيمة الكاميرا إذا غاب الضمير؟ وما قيمة الشعارات الوطنية إذا غابت المسؤولية عند الامتحان؟
ومن هنا ننتقل من رثاء الشهداء إلى السؤال السياسي الأكبر.
الأردن ليس بعيداً عن حرائق الإقليم، ولا عن مشاريع الفوضى والتفتيت والتطرف التي تضرب المنطقة. نحن في قلب محيط مضطرب، تتصارع فيه المصالح الدولية والإقليمية، وتُستهدف فيه الدول بالحروب المباشرة وغير المباشرة، وبمحاولات ضرب مجتمعاتها من الداخل.
والأردن، بقيادته الهاشمية ومؤسساته الوطنية، يحمل مسؤولية كبيرة في حماية استقراره وصون دوره العربي ومواقفه الثابتة تجاه القضية الفلسطينية والقدس، ورفض مشاريع التهجير وتصفية الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.
لكن حماية الأردن لا تكون بالخطاب السياسي وحده، ولا بالاستجابة الأمنية بعد وقوع الجريمة، بل ببناء دولة قوية بمؤسساتها، عادلة في تطبيق القانون، قادرة على حماية مواطنيها، ومواجهة الفكر الذي يستبيح دماء الأبرياء.
إن ما حدث في حمود وما حدث في عمّان يضع أمامنا أسئلة لا يجوز تأجيلها:
أين وصلنا في مواجهة الفكر التكفيري؟ وما دور المؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية في مواجهة خطاب الكراهية والتحريض؟ وهل نكتفي بملاحقة الجريمة بعد وقوعها، أم نعمل على تجفيف منابع الفكر الذي ينتجها؟
لا نريد أن يصبح استشهاد الأردنيين خبراً يتكرر، ثم يصبح الحزن عادة، والاستنكار طقساً، والمحاسبة سؤالاً مؤجلاً.
نريد مراجعة وطنية جادة، وتقييماً موضوعياً للإجراءات الأمنية، ومواجهة حقيقية لمنابع التطرف، ومحاسبة كل من يثبت تورطه وفق القانون. فالأمن الوطني ليس مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، بل مسؤولية دولة ومجتمع ومؤسسات.
وهناك حقيقة لا بد أن نقولها بوضوح: المسيحي الأردني ليس ضيفاً في وطنه، والمسلم الأردني ليس حارساً على مواطنة غيره؛ نحن أبناء دولة واحدة، لنا ما لنا وعلينا ما علينا، ودمنا الأردني واحد، وكرامتنا واحدة، ومصيرنا واحد.
ومن عجلون، التي أنجبت الطيار الشهيد فراس العجلوني من عنجرة، وتفخر اليوم بالملازم فراس العنانزة من كفرنجة، نقول إن البطولة ليست حكراً على منطقة أو عشيرة أو عائلة، وإنما هي قيمة وطنية تتجسد في كل أردني يقف عند واجبه.
لقد رحل جواد السلايطة شهيداً، وسبقته أرواح شهداء حمود التسعة، وأصيب فراس العنانزة وهو يدافع عن وطنه. هؤلاء ليسوا أسماء عابرة في نشرات الأخبار، بل هم ذاكرة وطن ومسؤولية دولة وضمير مجتمع.
إن أخطر ما يمكن أن نواجهه هو أن نعتاد سقوط الشهداء، وأن نكتفي بالحزن بعد كل فاجعة دون أن نراجع أسبابها ونعالج جذورها.
سلام على أرواح شهداء حمود التسعة، وسلام على روح الشهيد العريف جواد السلايطة، والشفاء العاجل للملازم فراس العنانزة ولكل مصاب.
من حمود إلى عمّان، ومن الكرك إلى عجلون، ومن شمال الأردن إلى جنوبه، نقول:
هذا وطننا، وهذه وحدتنا، وهذا دمنا، ولن نسمح لأصحاب الفكر الظلامي أن يرسموا مستقبل أبنائنا.
حفظ الله الأردن، وحفظ قيادته الهاشمية، وحمى جيشنا العربي وأجهزتنا الأمنية، وأدام على وطننا نعمة الأمن والاستقرار.