ليست الجريمة الإرهابية التي تهز المجتمع تعد البداية الحقيقية للإرهاب بالضرورة؛ بل قد تكون آخر حلقة في سلسلة طويلة من التحولات الفكرية والنفسية والسلوكية التي لم ينتبه إليها أحد، أو لم تُؤخذ على محمل الجد في الوقت المناسب. فحين نسمع عن اعتداء إرهابي يستهدف مواطنين أبرياء أو رجال أمن يؤدون واجبهم، تتجه أنظارنا، وبحق، إلى إدانة الجريمة ومحاسبة مرتكبيها، لكن كيف وصل الإنسان إلى هذه المرحلة التي يصبح فيها الاعتداء على حياة الآخرين فعلًا يعتقد أنه مبرر أو مقبول؟
إن الإرهاب لا يبدأ عندما يحمل الإنسان سلاحًا، بل يبدأ قبل ذلك بكثير؛ عندما يتبنى فكرًا يقوم على إلغاء الآخر، ويرى في الاختلاف تهديدًا، وفي الحوار ضعفًا، وفي العنف وسيلة مشروعة لفرض قناعاته. وعندما يفقد الإنسان احترامه لحق الآخرين في الحياة والكرامة، فإنه يكون قد قطع مسافة خطيرة في طريق التطرف، حتى وإن لم يتحول فكره بعد إلى فعل إجرامي.
ولعل من أهم المداخل التي يجدر التوقف عندها التنشئة والتربية. فالطفل الذي لا يتعلم احترام الاختلاف، ولا يجد مساحة للحوار والتساؤل والتفكير، قد يكبر وهو أكثر قابلية لتقبل الأفكار المغلقة. ولا أقصد هنا أن الأسرة أو المدرسة تصنعان الإرهاب بصورة مباشرة، وإنما أن بناء الشخصية الواعية، القادرة على التفكير النقدي والتمييز بين الحقيقة والتضليل، يمثل أحد أهم خطوط الوقاية من التطرف.
كما أن خطاب الكراهية والتحريض لا يجب الاستهانة بهما؛ فحين يصبح الانتقاص من الآخرين أو تخوينهم أو نزع إنسانيتهم أمرًا مألوفًا في الحديث اليومي، فإن المجتمع يعتاد تدريجيًا لغة الإقصاء. وقد لا يتحول كل خطاب كراهية إلى عنف، لكن التساهل معه يضعف ثقافة الاحترام ويهيئ بيئة يمكن أن تستغلها الجماعات المتطرفة.
"في محاكمة قاتل المفكر المصري فرج فودة رحمه الله، يُروى أن القاضي سأله: لماذا قتلته؟ فأجاب: لأنه كافر. فسأله القاضي: وفي أيّ كتبه وجدت كفره؟ فأجاب: لم أقرأ كتبه، وإنما سمعت أنه كافر، فأنا لا أقرأ أصلًا. وهنا تتجلى المأساة؛ إنسان يُقتل على يد شخص لم يقرأ أفكاره، ولم يناقشها، بل اكتفى بما سمعه من الآخرين".
ولا يجب إغفال دور الفضاء الرقمي، الذي بات قادرًا على الوصول إلى الأفراد والتأثير في قناعاتهم بعيدًا عن رقابة الأسرة والمؤسسات التربوية. فالمحتوى المتطرف لا يقدم نفسه دائمًا بصورة مباشرة؛ بل قد يبدأ باستثمار الغضب والإحباط والشعور بالظلم أو العزلة، ثم ينتقل تدريجيًا إلى تقديم تفسيرات مغلقة للعالم، وتقسيم الناس إلى أصدقاء وأعداء، قبل أن يحاول إقناع الفرد بأن العنف هو الطريق الوحيد، حيث أن هذا الفضاء أصبح يتفوق على دور المناهج المدرسية الرسمية.
وهنا تبرز أهمية المناعة الفكرية والمجتمعية. فمواجهة الإرهاب لا يمكن أن تقتصر على الإجراءات الأمنية، على أهميتها وضرورتها، بل تحتاج أيضًا إلى عمل متكامل تشارك فيه الأسرة والمدرسة والجامعة والمؤسسات الدينية والإعلامية والثقافية. نحتاج إلى تعليم لا يكتفي بتقديم المعلومات، بل ينمي القدرة على التحليل والمناقشة، وإلى إعلام لا يكتفي بنقل الأحداث، بل يواجه التضليل والتحريض، وإلى خطاب ديني يعزز قيم الرحمة والعدل وصيانة النفس الإنسانية.
إن ما شهدته المملكة من اعتداءات إرهابية، وما خلفته من ألم وفقد، يدعونا إلى التوقف والتفكير، لا إلى الخوف أو التعميم أو إطلاق الأحكام على فئات أو مناطق أو جماعات اجتماعية. فمرتكبو هذه الجرائم يتحملون مسؤولية أفعالهم، ولا يجوز أن تمتد إدانتهم إلى مجتمع بأكمله. وفي الوقت نفسه، فإن حماية المجتمع تقتضي أن نبحث بجدية في منابع الفكر المتطرف، وأن نواجهها بالعلم والوعي وسيادة القانون.
إن التوجه الحقيقي ليس فقط: كيف نمنع وقوع العمل الإرهابي؟ ولكن: كيف نمنع تشكل العقلية التي تبرره؟ وكيف نبني إنسانًا يؤمن بأن الاختلاف لا يلغي حق الآخر، وأن الحياة الإنسانية ليست موضعًا للمساومة أو الانتقام؟
فالإرهاب لا يبدأ بالإرهاب؛ بل قد يبدأ بفكرة لا تجد من يناقشها، وكراهية لا تجد من يوقفها، وتطرف لا يجد من يكشف زيفه. ومواجهته الحقيقية تبدأ قبل أن تتحول الفكرة إلى جريمة، وقبل أن يصبح الضحايا أرقامًا في نشرات الأخبار.