الحفريات الاثرية في المسجد الاقصى تبطل ادعاءات وجود هيكل سليمان في محيط المقدسات الاسلامية في مدينة القدس
21-01-2010 04:15 PM
عمون - د.عاطف الشياب - في الاونة الاخيرة جرت محاولات لانتهاك حرمات المسجد الاقصى من قبل بعض الجماعات المتطرفة اليهودية حيث حاولوا اقتحام ودخول الحرم القدسي يزعمهم انها ارض ابائهم واجدادهم وان هيكلهم المزعوم موجود تحت حرم المسجد الاقصى ، وقد تصدى لهؤلاء المتطرفين اعداد من المرابطين من اهالي القدس للدفاع عن مقدساتهم وهويتهم والهوية العربية الاسلامية وقد حاول هؤلاء المتطرفين ومنذ ان قاموا بأحتلال القدس العربية الاسلامية بأجراء العديد من الحفريات والتنقيبات بهدف اثبات ما جاء في التوراة واعادة بناء هيكلهم المزعوم . وقد بدأ اليهود الحفريات في المسجد الاقصى منذ عام 1967 م بهدف طمس الاثار والهوية الاسلامية التي يعتز ويفتخر بها اكثر من مليار مسلم في العالم الاسلامي ، وقد تركزت هذه الحفريات والتنقيبات على ايجاد الهيكل المزعوم و الذي يعني قيام الدولة الاسرائيلية الدينية التي تمهد لهدم اول قبلة للمسلمين على وجه الارض .
قامت اكثر من 50 بعثة اثرية صهيونية امريكية بالحفريات تحت المسجد الاقصى ووصلت الى اكثر من 22 طبقة اثرية ولم يجدوا اي اشارة على تواجدهم او اي احداث تاريخية يتحدثون عنها سواء اكانت من (..) كتابهم المقدس او الثلمود التي كتبوها بأنفسهم ووظفوا اساطيرهم وخرافاتهم لاسباب سياسية فهم حددوا فلسطين هدفاً والقدس غاية لهم ووظفوا هذه الادعاءات لخدمة الاهداف المعلنة واثبات حقهم في ارض القدس . ان اليهود المتطرفين انفسهم لايعرفون ما هو هذا الهكيل المزعوم اذا كان موجودا ، ولا يعلمون اين يقع فهم يتوقعون ان له اربعة اماكن وقد نقبوها ومسحوها بأجهزة متطورة ولكن لم يجدوا فيها اي اثر لفرضياتهم المزعومة ولكن هدفهم هدم المسجد الاقصى اذا انهم حاولوا مراراً وتكرارا نسف المسجد الاقصى ووضع المتفجرات تحته لكن باءت محاولتهم بالفشل.
.
الهيكل الذي يتحدثون عنه هو بناء سياسي من محض الخيال وأوهام وخرافات الحاخامات والقادة العسكرين الكبار المتطرفين حيث انه لا توجد اي اشارة اثرية او تاريخية على وجه الارض تذكر ما يدعون به خرافات التوراة ، ولكن هدفهم يرمي الى اقامة الكيان الصهيوني في فلسطين وبناء الهيكل على مساحة المسجد الاقصى ، وقد صدر قرار من المحكمة العليا في اسرائيل في 25/11/2001م بوضع حجارة الاساس للهيكل فوق كأس الوضوء بين قبة الصخرة والمسجد القبلي الذي سيبنى الهيكل هناك, وجهزوا أربعة حجارة لزوايا الهيكل ويزن كل منها ستة أطنان ، شيدوا 15 درجة من درجات ما يسمى بالهيكل الثالث، صعد عليها إيهود باراك صباح 2/10/1999 كونه يوافق ذكرى دخول صلاح الدين الايوبي للقدس .وقد اختلف التوراتيون في شكل بناءالهيكل والمواد المستخدمة ، حيث جاء الهيكل في الثلمود على انه بناء من الالاف الاطنان من النحاس والحديد والذهب والفضة التي استخدمت في بناء الهيكل ، بينما تذكر التوراة انه بني من الخشب والنحاس.
بني هيكل سليمان في أورشليم بهدف عبادة يهوه ولكن لغاية الان لم يتم العثور على مكان وجوده بالرغم من المسوحات والمخططات التي تم عملها بواسطة طائرات هيلكوبتر والتي استخدمت اجهزة متطورة واشعة تحت الحمراء وغيرها لمسح المنطقة . كما تعددت الاراء حول مكان بنائه فمنهم من يدعي أنه بني خارج ساحات المسجد الأقصى، والبعض الاخر يعتقد انه موجود تحت قبة الصخرة ، او تحت المسجد الأقصى .
لقد تعددت المصادر والمراجع التاريخية والاثرية وخاصة في الفترات القديمة والكلاسيكية التي ذكرت معلومات غير دقيقية حول شكل ومكان وتدمير وترميم الهيكل ، فقد ذكرت بعض المصادر انه قد تم تدمير مدينة القدس والهيكل عام 587 ق.م على يد نبوخذ نصر ملك بابل وسُبى أكثر سكانها، في حــوالي 520 – 515 ق.م وأعيد بناء الهيكل وهُدم الهيكل للمرة الثانية خلال حكم السلوقيين على يد الملك أنطيوخوس الرابع بعد قمع الثورة التي قام بها اليهود عام 170ق.م، وفي عام 40 ق.م بعد ان اصبح هيرودوس ملكاً على اليهود قام بأعادة بناء الهيكل للمرة الثالثة . وهدم الهيكل على يد الامبراطور الروماني تيطس 70م الذي لم يترك في القدس حجر فوق حجر ودمر جميع اليهود وذبحهم . وأما هدريان فقد ذبح جميع الذكور المنحدرين من أصول يهودية أثناء تدمير القدس عام 135م وغير اسمها إلى "إيليا" على اسم والدته, وكتب على باب النصر "حتى الأجنة التي تولد من بطون أمهاتهم وأن اتبعوا ديننا لا يحق لهم دخول إيليا", وحرق القدس وحرثها بالمحاريث والسؤال الذي لم يلق اجابة لغاية الان ما هو مكان وجود هذا الهيكل الذي يتحدثون عنه ؟
الهيكل المراد انشائه فوق كأس الوضوء كما يتخليه اليهود المتطرفيين يبلغ مساحته 300 متر مربع ينقسم الى ثلاث حجرات ، الحجرة الاولى مساحتها 26 متر مربع تشمل منازل ومسكر للرب يهوه اله اسرائيل يضع فيها الشمعدان وتابوت الالواح وحامل الخبز والبخور ، والحجرة الثانية للكهنة الذين يتقبلون فيها الاعطيات والهبات ، والحجرة الثالثة فهي المذبح الذي يتوقع وصول الالف القرابيين له يومياً ليتم حرقها بشحمها وشعرها ولحمها . خصصت لبناء الهيكل ستة ملايين حجر مرقمة تسلسليا من الحجر رقم واحد الى الحجر رقم ستة ملايين انهي تجهيزها في كسارات اسرة ليفي 25 جنوب بئر السبع .
المختصون في مجال الاثار في الاردن والوطن العربي وحتى العالم اجمع يعرفون تماماً ان المسجد الاقصى يقوم على صخرة طبيعية ، فلا يمكن ان يكون هيكلهم فوق هذه الصخرة ، وحتى ان بعض اليهود لايؤمن بوجود الهيكل اصلاً والبعض الاخر فلا يعرف مكان الهيكل بالتحديد ولكنهم يزعمون بناء هيكلهم اما في شمال الصخرة المشرفة، او جنوب الصخرة المشرفة ، او فوق الصخرة المشرفة ، او مكان حارة المغاربة بجوار البراق.
ان كل من نقب في فلسطين من آثاريين وتوراتين وغيرهم من المنقبين منذ عهد الانتداب البريطاني 1838 م وحتى تأسيس صندوق استكشاف فلسطين 1865م ولغاية اليوم لم يستطيعوا ايجاد ولو حجر واحد يؤكد وجود الهيكل المزعوم او حتى وجود اي اثار تعود الى تلك الفترة ، فقد اكد الكثير من علماء الاثار عدم وجود اية بقايا معمارية لهيكل او حتى حجر واحد لهيكل يعود الى تلك الفترة .
لقد عمل في تلك المنطقة اكثر من سبعين عالم اثار يهودي ولسنوات طويلة ولم يجدوا اية اثار تدل على الهيكل المزعوم ومن ابرز هؤلاء الاثاريين اليهود هرتزوغ ومئير بن دوف اما عالم الآثار البروفسور فنكلشتاين فقد توصل إلى استنتاج مفاده بأنه لم يكن هناك أية هياكل في منطقة مسجد الأقصى, وهذا ما شهد به ديسولسي والعالم الإنجليزي الكبير د.مارتن. اما الأثري تشارلز ورن حيث اعترف بأنه فشل في اكتشاف ولو مجرد حجر واحد من تلك الفترة, وإن المعلومات التوراتية لم تصمد للبحث العلمي, لقد فحص ورن كل الحفر والآبار ومسارات الأنفاق ولكنها لم تسعفه في تقديم دليل واحد على مصداقية التوراة أو التلمود, اما عالمة الاثار الانجليزية كاثلين كينيون تقول لم يبق شيء في داخل المدينة من عهد سليمان أو سلفه أو خلفه .
لم ينجح اليهود المتطرفين والامريكيين المحافظين بتسيير اساطيرهم وخرافاتهم لايجاد الهيكل فكل ما عثر عليه هو اوهام تحولت الى نزعات سياسية لقيام الدولة اليهودية على ارض فلسيطين كما وهو عدائهم الشديد للدين الاسلامي ، فهم يريدون في بناء الهيكل المزعوم ايجاد مكان للحج اليهودي يجتمع فيه الكثير من يهود العالم لاداء عباداتهم ،فقد صدر عن صحيفة معاريف الاسرائيلية في الخميس 17/5/2004 ان وزير السياحة الاسرائيلي جدعون عيزرا
" منح لقب مطابق للقب حاج لكل يهودي و مسيحي يصل لزيارة القدس "
حيث قال ان لا يحتمل ان 2 مليون مسلم يحجون كل عام الى مكة ، ونحن لا نتمكن من جلب ذات كمية المسيحيين واليهود الى القدس والتي هي مقدسة لهم بقدر لا يقل عن مكة للمسلمين . وقال يجب ان نجد وسيلة تجلب كل المسحيين واليهود في العالم الى القدس .
واخيراً وليس اخراً فأن علماء الآثار الذين حفروا في مواقع متعددة تحت او في محيط المسجد الأقصى لم يعثروا على أي نمط اثري او تاريخي يعود للهيكل المزعوم ولهذا قاموا بالبحث عن هذه البقايا عبر تلك الآنفاق والآبار والأقنية التي تربط بينها وعندما لم يوفقوا في العثور على أي دليل اثري لجأوا إلى تلك التسميات التي وردت في التوراة والتلمود والمشناة والمكراه والشخيناه لكي يسوقوا القدس عبر نمط ديني وثقافي مرجعيته العمارة والهندسة اليهودية المزعومة.
لقد اكد العلماء والباحثون اليهود ومن خلال حفرياتهم وتنقيباتهم التي جرت في اماكن المسجد انه ليس هناك دليل على وجود الهيكل المزعوم ولكنهم عملوا ويعملون على تهيئة الاجواء لبناء هيكل يهودي يكون محجاً لجميع يهود العالم وقيام دولة اسرائيل الكبرى يكون مركزها فلسطين العربية الاسلامية المحتلة ، ونسوا ان المقدسي وقبل الالاف السنين قد اخبرنا بأن اصل بناء المسجد الاقصى قديم وعليه اقام عمر بن الخطاب مسجده الاول ثم ازاله عبد الملك بن مروان وانشأ المسجد الاقصى الذي اتمه بعده الوليد ، كما تم ترميمه وصيانته في الفترات الاسلامية اللاحقة .
وفي الختام لابد من التذكير بدور الهاشميين عبر التاريخ في المحافظة على المقدسات العربية الاسلامية والقدس الشريف ودور المملكة الاردنية الهاشمية في صيانة وترميم واحياء الاماكن والمقدسات الاسلامية والاهتمام المتزايد منذ عهد الجد الموسس عبدالله بن الحسين الاول رحمه الله وحتى عهد جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين حفظه الله ورعاه والذي يتصدى دائماً وبشكل مستمر لإيقاف عمليات الاستيطان والانتهاكات المستمرة من قبل اليهود وخاصة في المسجد الاقصى ، وستبقى القدس (زهرة المدائن)عاصمة فلسطين وعاصمة الثقافة العربية والاسلامية على مر العصور . وما يتهددها من خطر اليوم لادعى بالامتين العربية والاسلامية للتحرك منعا لانهيار جدرانها وممراتها واسوارها ومسجدها وقبتها وذلك قبل فوات الاوان..
* الكاتب استاذ الاثار والمتاحف / جامعة اليرموك