facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





ذكريات (17)


محمد الداودية
11-05-2020 12:56 AM

تعلمت من صحبتي مع جدي، الحرص على مجالسة الرجال الأكبر مني سنا والأوسع معرفة والأعمق تجربة.

وقد صاحبتني هذه العادة إلى عمان حيث خلاصة وكثافة و»أسنس» تجارب الأردن.

ولأنه «في بيته يؤتى الحكم» فقد كنت اقصد سياسيي عمان وحكماءها من مختلف الاتجاهات السياسية، في بيوتهم وفي أماكن تواجدهم.

جالست الرجال الكبار وحاولت أن أخذ منهم قبسا من نور المعرفة والحكمة:

الأمير زيد بن شاكر وزيد الرفاعي

ومحمد عودة القرعان وعبد خلف داودية وعبد الرحمن شقير ونايف حواتمة ويعقوب زيادين وحمد الفرحان ويحيى حمودة وعرفان حجازي وابراهيم بكر وابراهيم ابو عياش وزياد ابو غنيمة ومحمود الموسى العبيدات ومنير الدرة وتيسير ظبيان ومريود التل وعبد الحميد السائح وسليمان الحديدي وعبدالله العوران وخليل السالم وجودت السبول وجمعة حماد وعبد السلام المجالي واحمد الطراونة وعلي ابو نوار ومعن ابو نوار وخالد الساكت وذهني رأفت وسعد الدين جمعة وسالم النحاس وصلاح ابو زيد وابراهيم سكجها ومحمود الكايد وعبد الرحيم عمر وذوقان الهنداوي ومحمود الشريف وكامل الشريف وشاهر ابو شحوت وأمين شقير وليث الشبيلات وصلاح جمعة وزهير العجلوني ومحمد بشير وابراهيم ابو ناب وطارق مصاروة وانيس المعشر وجمال الشاعر ومحمود السمرة وفؤاد سعد النمري وعبد الله الريماوي وحمدي مطر وحسين مجلي وجمال البدور ومحمد باجس المجالي.

وعشرات غيرهم ينطوون على تجارب غنية متنوعة.

كنا في نحو الخامسة عشرة من عمرينا، أنا وصديق الطفولة عبد المهدي علي التميمي الذي يكبرني بعشرين يوما، نبحث عن حكماء المفرق، ولا نتوقف عن زيارتهم في منازلهم او في متاجرهم، نستمع إليهم بتبجيل وبيقظة وتفكّر.

كان فينا شغفٌ وظمأ الى الحصول على ما تحقق للرجال من معرفة مدرسة الحياة، التي لا تحيط بها الكتب. فذهبنا الى منابعها ومظانّها لا نمل من البحث عنها.

استمعنا الى المكتبيين البارزين، محمد سكّر العقايلة وموسى فريح السهاونة. ومحمد علي اخو ارشيدة وحمدي ابو السمن ومحمد العيطان وفيصل الدغمي وطلب ابو عليم ورئيس البلدية محمد سلامة الحسبان والد الشهيد فرحان وهايل السرور ومحمد علي بصبوص والشاعر حسن غالب حسونة وصايل الحسبان وعادل عوجان والطبيب مارون شباط وعادل الشريقي وابي العلاء الداغستاني وشوقي حمارنة وعمر الرواد وعلي التميمي والخوري بولس حداد وفارع النهار الشواقفة وثلجي فريح النمري وفرحان فريح النمري ونايل سلامة حجازي وعيد الاحمد المعاني وأبو حلمي عبد الهادي والشقيقين محمد ومزعل مشري الخوالدة وحميد شردم ونور الدين الشريف وعبد الفتاح المغربي وطبيب الاسنان أبو عبدالوهاب البغدادي والشقيقين محمود وعلاء مكّي الذي اصبح رئيسا لتحرير صحيفة المجاهد الجزائرية.

أخذنا الكثير من أولئك الحكماء. أدهشتنا تجاربهم الواسعةُ العريضة وفتنتنا وتشربناها قطرةً قطرة، وطبقنا ما أمكننا من نصائحهم الثمينة المتنوعة التي لا تقدر بمال.

واستمعنا الى قصص البسطاء والمسخمين التي تحمل الكثير من العبر والدروس.

استمعنا من ضمن ما استمعنا الى قصة مذهلة، حدثت مع فلاح بسيط، تصلح ان تُدرّس في أرقى جامعات العالم التي تهتم بالاستراتيجيا.

بعد مرور عشر سنوات على الحادثة المرعبة، التي وقعت في الأغوار الشمالية، في منتصف الخمسينات من القرن الماضي، يقص علينا «أبو هنوش» بصوت متوتر منفعل مرتعب، وهو يلوح أمام أعيننا بيده اليسرى المبتورة الأصابع، باستثناء الإبهام، فيقول وعمر القارئين يطول:

كان الوقت ظهرا، في شهر تموز الذي تغلي فيه الماء بالكوز، وكنت وحدي في هجير كجهنم الحمراء، أحصد قمحا «وأهيجن» حين برزت لي الأفعى القاتلة من بين السَّبَل ومن تحت المنجل، لدغت يدي اليسرى وانسلت.

في تلك اللمحة-البرزخ بين الحياة والموت، لم أفكر في مطاردة الأفعى والانتقام منها!

نطقت الشهادتين وأخذت أبكي وأولول، حتى أنني أخذت أعزي نفسي قائلا: «الدايم الله. عظّم الله أجركم» وأكثر ما هصر قلبي هو إدراكي أن عيالي تيتموا».

كنت مُستفرَدا في تلك الفلاة، لا هاتف لا سيارة لا فرسا لا مركزا طبيا ولا سامع صوت.

كان سم الأفعى القاتل يتفشى في جسمي. وأكاد أحس دبيبه وسريانه. رأيت الموت يدنو مني.

التقطت المنجل الذي وقع مني ووضعت يدي اليسرى على «الصفاة» وهويت عليها بمنجلي، وبلمح البصر رأيت اصابعي الأربعة تتطاير في الهواء وتتقافز أمامي كالأفاعي.

شددت حزامي على رسغي لوقف النزيف الذي حمل معه السم، وغرقت في غيبوبة كالموت حتى العصر، حين هرع الى مكاني، الأهل والحصادون من «الموارس» القريبة.

في سرعة الضوء، اتخذ الفلاح الأمي البسيط أبو هنّوش الذي لم يدخل مدرسة، قرارا استراتيجيا مصيريا صائبا، قرارَ حياة، لا مجال لاتخاذ قرار غيره أكثر منه صوابا.

قطع جزءا من جسمه ليسلم جسمه كله.

في المفرق، البلدة المغبرة الجافة، كما في كل أرجاء مملكتنا، حكمةٌ وافرة ملقاة على قارعة الطريق.

تلمسها وتشمها وتشربها، وتراها تسعى في الطرقات تقول لك خذني أيها الإنسان وأنقذ نفسك بي.

تكمن المشكلة في أنّ الكل مكتفٍ. والكلُّ يوزع الحكمة، التي لا ينشدها احد، ومنها حكمة الحياة، التي دمغها الحكيم «أبو هنّوش» بالدم.

حين تداولت حكاية أبي هنوش مع الشاهد الصديق عبدالمهدي التميمي آثر أن يعلق عليها، فأرسل لي النص الجميل التالي:

«تعرض ابو هنوش للدغة ثعبان في ذلك المكان البدائي، و لم يجد من يعينه أو يداويه، فاستعان بالله وبقوته الداخلية وبغريزة البقاء وبحكمة الأجيال. واهتدى الى الحل الشجاع الفذ.

قرر ان يقطع أصابع يده الأربعة، قبل ان يتسرب السم الزعاف إلى كل أجزاء جسمه ويفتك به.

تناول منجله القاطع، واجترح حل الحياة الوحيد، متخذا بسرعة البرق، قرارا خرافيا في هوله وفي معانيه.

تخلص «أبو هنوش» من جزء نابض حي من جسمه، من اجل ان تظل الحياة تسري في باقي جسمه.

قاوم أبو هنوش ثعبانا واحدا وهزمه. أما نحن فعلينا ان نواجه ونهزم مجموعة كبيرة من الثعابين الذين يحاولون ان يشوهوا ديننا وعروبتنا وان ينهبوا قوتنا ويسمموا حياتنا.

أخي أبو عمر. لقد جعلت «ابو هنوش» الرجل البسيط الفقير، الذي يشبهنا ونعرفه ويعرفنا، بطلا شعبيا بامتياز، فقد جلوت النسيان عن فروسيته، بسبب قرار فذ سيخلده.

أما نحن فلا زلنا تعوزنا الإرادة لنتخذ القرار الذي يخلصنا من الثعابين الكثيرة.(الدستور)




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :