facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





"مفاهيم انسانيْة تستحق التأمُّل"


يوسف عبدالله محمود
13-07-2020 04:04 PM

أعترف أنني من المعجبين بسيرة زعيم الهند ومحرّرها "غاندي" ففي سيرته ما يستحق منّا التأمل والتدبّر، وبخاصة بعض مفاهيمه الأخلاقية والإنسانية التي قد يراها البعض اليوم مفاهيم خياليّة لا تصمد أمام الواقع الإنساني الذي بات طارِداً لكلّ ما هو إنساني ومشرق، حيث الحروب يُشعلها أعداء الإنسان، وحيث الضغوط الاقتصادية المهينة التي تمارَسُ على الشعوب الفقيرة، لِتذعن للهيمنة الخارجية.
في كتابه "قصّة حياتي" يحدّثنا زعيم الهند وأحد رموز نهضها جواهر لال نهرو عن فلسفة "غاندي" هذه الفلسفة القائمة على مبدأ "اللاّعنف" و"المقاومة السلبيّة" في عملية التحرير ومقاومة الغزاة المستعمرين.
في كتابه يشير نهرو إلى أنّ غاندي لم يكن يرغب في رفع مستوى حياة الجماهير في الهند إلى أبعد من حدّ متواضع للغاية، لأن مستويات الحياة الرفيعة في رأيه تؤدي بترفها إلى الانغماس في الشهوات والخطيئة. وعليه، فكان يدعو الراغبين في خدمة الجماهير أن يرفعوا مستواها ماديّاً بقدر ما عليهم أن ينزلوا هم شخصياً إلى مستواها، وأن يختلطوا معها على قدم المساواة.
فتلك هي الديمقراطية، الكتاب ص478.
وفي موضع آخر من الكتاب يقول نهرو:
"كان غاندي يؤمن أن الله خلق الإنسان ليعمل من أجل أن يكسب طعامه، أمّا الذين يأكلون دون أن يعملوا فهم اللصوص". ص491.
كما قلت في البداية، قد يرى البعض هذه المفاهيم خيالية لا تتماشى مع واقعنا المعاصر. كما أرى، فهي ليست كذلك إلاّ بسبب الأوضاع العالميّة الشّاذة التي يعيشها كوكبنا، وإلاّ هل الحديث عن زيادة التّرف على حساب معاناة الغالبية من البشر هي وهم وخيال؟ وهل دعوة المسؤولين الراغبين في رفع مستوى الجماهير مادّياً أن يقرنوا ذلك بالنزول هم شخصياً إلى مستواها دعوة غير قابلة للتطبيق؟
وهل قوله: إنّ الذين يأكلون دون أن يعملوا هم لصوص، مجانب للصواب، ونحن نرى أناساً مُتعطّلين بالوراثة، ورثوا عن أجدادهم وآبائهم الأطيان والأموال، ثم ركنوا إلى ما ورثوه فنبذوا العمل وانغمسوا في الشهوات؟ شيءٌ كثير من الصحّة فيما قال غاندي، ولكنني موقن أن غاندي لو كان ما زال على قيد الحياة لقال أشياء أخرى منها: أنّ "اللصوص" الذين يأكلون دون أن يعملوا قد تضاعف عددهم في عالمنا اليوم، وأنهم – مع الأسف – باتوا يجدون الحماية من بعض السُّلَط الحاكمة في بلدانهم لأسباب باتت معروفة. كما أنّ مفهوم "اللّصوصيّة" قد اتّسع ليشمل احتلال أرض الغير دون مُسوّغ شرعي بل أن ثمة دُولاً باتت تمارس ذلك تحت بَصَر المجتمع الدولي ومنظمات الأمم المتحدة دون أن تجد من يوقفها أو يردعها.
أمّا الديمقراطية التي تحدّث عنها غاندي كما أشار إلى ذلك نهرو في كتاب "حياتي" فلم تعد – كما أرى – ممكنةً بالمقاومة السلمية أو السلبيّة، فثمة متغيرّات دولية قد حدثت، فاللّص أو المحتل لم يعد يلقي السلاح بسهولة، كما أنه – مع الأسف – يلقى الدعم الكبير من جهاتٍ متنفِّذة عالمياً!
ثم إنّ "الطعام" وحده لم يعد هو المشكلة فقط، فهناك الكرامة الإنسانية المُضارَة، والحريّة المصادَرة، والوطن المحتمل بالقوّة.
أحترمُ القيم الأخلاقية التي آمن بها غاندي ونهرو أيضاً، ولكن هذه القيم لم تعد قادرة أن تترسّخ على أرض الواقع معتمدة على شرعيّتها، فهل مثلاً القيم الأخلاقية وحدها قادرةٌ أن تُحرّر شعباً كالشعب الفلسطيني من الاحتلال الإسرائيلي العنصري؟
وهل وقف انتفاضة هذا الشعب وحدها هي التي ستعيد إليه حقوقه؟
لو كان ذلك ممكناً لفعل هذا الشعب الأبيّ ذلك!
القيم الأخلاقية مقدّسة، ولكنّ لغة عصرنا الحديث لم تعد تعبأ بها. حتى أعداء الإنسانية أينما وُجدوا باتوا يتحدّثون عن ضرورة تفعيل هذه القيم، في حين أنهم يغتالونها تحت شعارات مختلفة، قد يتّهمني البعض بأنني أحبّذ أسلوب "العنف" الذي قال فيه العالم التربوي جون ديوى "اللجوء إلى العنف في حل المشاكل والأزمات هو دليل على تعطل الذكاء الإنساني".
والحال خلاف ذلك، ولكنني أدعو إلى التمرّد على الضعف والهوان، فعدوُّ اليوم لم يعد يقنع بهذه المفاهيم الرفيعة التي تبنّاها غاندي وأمثاله من رجالات السلام في العالم، واقع اليوم هو غيره بالأمس، هناك نظام عالمي جديد يُجوِّف مفاهيم الأخلاق، علينا أن نواجهه بقوة!




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :