facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





الراحل هشام شرابي و"صور الماضي"


يوسف عبدالله محمود
29-11-2020 05:08 PM

إن أبدع ما يسطره قلم الراحلين الكبار من مفكرين ومبدعين حين توشك بقيمة العمر ان تنفد هو "سيرتهم الذاتية" يخصون فيها حلو أيامهم ومُرها، لا يسرفون في تقريظ انفسهم، وهم الكبار، بل يتركون ذلك للقارئ.

زلات الصبا والشباب المبكر يكون لها نصيب في الذكريات، البوح بها ومن ثم إدانتها خصلة نبيلة هي من فضائل النقد الذاتي للنفس.
الراحلون الكبار قبل رحيلهم وحين يتقدم بهم العمر، ويتناهى الى مسامعهم طرقٌ خفيف على الباب يذكرهم ان حياتهم قد شارفت على الانتهاء، يزداد تعلقهم بها. قد يبكون بحرقة ومرارة سيما اذا فاجأهم مرض عضال وهم في ذروة نشاطهم، الاصرار على ديمومة الحياة طبيعة انسانية رغم معرفتنا انه اصرار لا جدوى منه!

واذكر هنا ان اديبة أردنية كبيرة قبل ان يوافيها الأجل بعد شيخوخة اقعدتها الفراش سمعتها تقول: من نِعم الله على الانسان انه حجب عنه معرفة لحظة موته.

من السير الذاتي النادرة التي طالعتها اكثر من مرة تلك التي كتبها المفكر الكبير الراحل د. هشام شرابي بعد ان اكتشف انه مصاب بداء السرطان الذي اوغل فيه.

ضم كتاب "صور الماضي" سيرته بحلوها ومرها. نقد هشام شرابي نفسه نقداً موضوعياً صارماً تحدث عن ايجابيات حياته وسلبياتها في آن.
مرارة الهجرة القسرية عن ملاعب الصبا في يافا وعكا وحيفا لازمته في "الغربة" ما أمرَّ ان يقتلع انسان من وطنه! ما اقسى ان يغترب رغم انفه!

في مقدمة كتابه "صور الماضي" والذي طُبع ثلاث طبعات آخرها عام 1998 يقول شرابي وقد علم بمرضه "الطرق الخفيف يذكرني ان الحياة لا تفضي الى شيء. تتوقف فجأة كالشريط السينمائي، فلا يُفسح لنا مجالاً لمغادرة لائقة او كلمة أخيرة" ص 13.

على امتداد سيرته الذاتية، يلقانا هذا البوح الانساني الممزوج بالألم حيناً وبشيء من الفرح حيناً آخر حين يحاول طبيبه التسرية عنه بكلمات حانية تطمئنه بأن حياته ستستمر! إنه التشبث بالحياة الذي لا نستطيع ان نغالبه، "استعيد ملامح الغريب المسن الذي شاهدت وجهه في المرآة هذا الصباح، ولا اشعر بالأسى الذي ملأ قلبي. اشعر الآن بعطف نحوه. عادة لا نرى الا تلك الأنا الشابة التي نعيشها في داخلنا الى ان يأتي اليوم الذي نكتشف فيه، دون ان نصدق أنها هي هذا المسن الذي ينظر الينا من المرآة، الغد لا نكشف كذبته إلاّ عندما يصبح أمساً". (صور الماضي، ص 35).

في هذه اللحظات القاسية يستذكر د, هشام شرابي وهو على فراش المرض بوشنطن مقالة قرأها في كتاب لمنتاوين، تلح عليه عبارة في هذه المقالة "هزته في أعماقه" –كما يقول- تقول عبارة منتاوين "تأتي على ذي الحظ برهة في الحياة يستفيق فيها قبل فوات الأوان، فيضع الأمور التافهة التي شغلته عن حياته جانباً ويفتش عن ذاته التي فقدها" (صور الماضي، ص 36).

ما قصده منتاوين هو "الذات الطبيعية" طذات العيش اليومي" وهذا ما كان يريده شرابي في أواخر أيامه كان يريد ان يعيش في وئام مع هذه الذات "كل ما اتمناه هو الحفاظ على نشاطي الفكري والجسدي، على مجابهة المرض والهرب من الضجر". ص 36.

هشام شرابي- كما اسلفت- غادر عكا قسراً وهو في العشرين من عمره، أكمل دراسته الجامعية الأولى في الجامعة الأمريكية ببيروت، ثم غادر الى أمريكا حيث حصل على الدكتوراة في التاريخ، مشدوداً كان الى أن يخدم قضيته الفلسطينية بأي ثمن، رجع الى بيروت، حاول ان يجد له موقعاً في مركز البحوث والدراسات الفلسطينية التابع لمنظمة التحرير. لكنه كما يقول وجد ان عليه ان يلتزم بالولاء لا لقضية فحسب بل لفصيل معين ولقيادة معينة، مما جعله يعود راجعاً الى وشنطن.

يعترف شرابي في سيرته انه في شبابه كان قومياً سورياً من أنصار "سعادة" ولكنه ترك الحزب بعد ان اتضح ان افكاره مثالية.
قلت ان هشام شرابي نقد ذاته نقداً موضوعياً وصارماً. درَّس التاريخ الأوروبي في جامعة جورجتاون، وهو يعترف انه في تدريسه كان يطعن في الماركسية والشيوعية، لكنه حين اطلع على الفلسفة الوجودية (كيركجارد ونيتشه وسارتر) انجذب اليها، ثم انجذب نحو فلسفة الماركسية بعد ان اطلع على تراث ماركس، اخذ من هذا التراث منهجيته في النقد التحليلي لكنه لم يعتنقها.

وهنا اورد نقده اللاذع لموقف بعض المثقفين العرب من الماركسية والاشتراكية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية "لقد هللنا للماركسية والاشتراكية عندما كانت هي (الموضة) الرائجة في الستينات، والآن نهلل لنظام الديمقراطية والتعددية والسوق الحرة وحقوق الانسان" ص 34.

رحم الله المفكر هشام شرابي، فالبرغم من مرضه العضال ظل مداوماً على الكتابة والقراءة الى ان حلت ساعة الرحيل التي تمنى لو كانت بلا معاناة. كان يقول في اواخر ايامه ليت لو ان الموت نوم!

كان يستعيد كلمات صديقه الشاعر ادونيس التي وردت في رسالة ظل محتفظاً بها: "في شبابنا نرى الموت شاباً في الشيخوخة نراه شيخاً" تصور: الموت شيخاً! موتان في اللحظة الواحدة! قد يكون الموت "الشاب جميلاً، اما الموت -"الشيخ" ... كأني أراه يدب على عصاه متهالكاً- يتجه نحوي، منظر لا يسر. (صور الماضي، ص 355).

تلك هي الحياة أيها الراحل الكبير "الطرق" الذي كنت –كما تقول- لا تسمعه إلاّ على أبواب الآخرين، حان ان تسمعه على بابك، وقد كان. يكفيك انك كنت صادقاً مع نفسك ومع الآخرين، افكارك الجليلة التي صغتها في كلمات ممتلئة لن تتلاش –ستظل حية- تُلهم، تضيء الدروب، كلماتك وإن غلفها الألم –ألم الجسد- فقد ظلت تهجس بوطن ضيعناه اسمه "فلسطين".

قضيت مغترباً تحلم بالعودة الى ملاعب صباك، الى الساحل الوضّاء كم لك فيه من ذكريات اغتربت رغم انفك! وعلى امتداد حياة "الاغتراب" لم تنسَ وطناً نَماك وحنا عليك طفلاً ويانعاً، فالوطن –وبكلمات ابن فلسطين الكاتب والأديب الراحل "اميل حبيبي"- "لا يُنس، لا يُحمل على الظهر في حقيبة حتى يُنس في محطة او يُلقى عن الظهر تعباً! ليس ليس الوطن كالنفس، إنما الوطن كالتنفس. وحال الوطن كحال انسان الوطن لا يختار انسانيته، بل يولد إنساناً" (اميل حبيبي: من كتابه" لكع بن لكع".

هشام شرابي صادقاً مع نفسك كنت وانت تسرد سيرتك الذاتية، أجاد من وصفك بانك "سلمت مفاتيح الحياة الماضية بورع وامانة مثل ملك يسلم لابنه مفاتيح "الاسرار" –خالدة سعيدة، فيلسوف حياة كنت حين ذكرت ان "الاصرار على ديمومة الحياة طبيعية انسانية رغم معرفتنا انه إصرار لا جدوى منه"

غادرت دنياك مبكيّاً على خصالك النبيلة وطهرك الذي لا يعادله طُهر. أَلستَ القائل: "الكتابة للمنفيّ مثلي هي الوطن الباقي".
هشام شرابي كتابك "صور الماضي" حفل ب"بوح انساني" غير مألوف في السيرة الذاتية، عبقرية "البساطة والايقاع" اكسبت سيرتك الذاتية الجدّة والخلود.




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :