facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





قول على قول


عامر طهبوب
15-09-2021 12:05 AM

كانت «بون فان دير ستارب» عضوة في مصحة للطلبة الهولنديين يعانون من السُّل في نهاية الأربعينات من القرن الماضي، وكانت المصحّة تحتاج إلى دعم مالي، وحدث أن سمعت السيدة «ستارب» عن حديقة «بيكونزفيلد» في بريطانيا، وأنها تدر أرباحاً يتم التبرع بجزء منها إلى مستشفى في لندن، وعلى هذا النحو حذت عندما تبرع زوجان بتمويل مشروع حديقة في «لاهاي» يكون بمكان نصب تذكاري لولدهما «جورج مادورو»، طالب القانون من «كوراساو» الذي حارب إلى جانب المقاومة الهولندية في الحرب العالمية الثانية ضد قوات الاحتلال النازي، وتوفي في معسكر «داخاو» عام 1945.

تولت الأميرة «بياتريكس» - الملكة فيما بعد - عمادة الحديقة التي أطلق عليها اسم «مادورادام» نسبة إلى «مادورو»، وتدحرجت الفكرة لتصبح الحديقة، مدينة ضخمة توفر عروضاً مائية، وموسيقية، وشاشات عرض تلفزيونية ضخمة، وترى فيها سهول التوليب، ومجسماً لمقر الحكومة، ومنازل القناة، وجسوراً تحركها بيدك باستخدام قطع معدنية، ومطار «تسيخبول» في أمستردام، وتحولت إلى «حديقة مدينة» مذهلة، وأرض حكايات وقصص، ألهمت «فرناندو دي إكريلا إيسبارن» للترويج لفكرة بناء مشروع «كاتالونيا» المصغرة في إسبانيا.

أعضاء مجلس المدينة اليوم هم من طلبة لاهاي، وهم أعضاء لجنة الإنفاق التي تدير الجمعيات الخيرية. لاحظت الدولة الهولندية عام 2011 أن الحديقة تحتاج إلى تطوير من أجل زيادة الجذب السياحي ورفع مداخيلها، فأنفقت على تطويرها 8 ملايين يورو، وكل عوائد «الحديقة المدينة» مخصصة للجمعيات الخيرية، وهي بذلك حديقة نفعية لصالح هذه الطبقات الأقل حظاً في المجتمع.

هذا مثال من بين عشرات أمثلة يمكن أن أسوقها للقارئ العزيز عن مشاريع وقفية تنهض في الولايات المتحدة الأميركية، وأوروبا، وشرق آسيا، هدفها دعم التعليم والطبقات الأكثر حاجة، ولا تتسع المساحة هنا للاستطراد، ويكفي القول إن جامعة «هارفارد» الأميركية سجلت وقفية تزيد قيمتها على 25 بليون دولار، كما سُجلت وقفيات مماثلة لجامعات «تكساس» و»برينستون» و»يال» و»ستانفورد» بمبالغ أقل، ولكنها ضخمة مهما قلت، وهناك جامعة «تورنتو»، و»كمبريدج»، و»ملبورن» الأسترالية، و»كيوتو» اليابانية، وغير ذلك كثير.

قلت ذلك لصاحبي ذات يوم، فقال: نحن أول من أوجد مفهوم الوقف في العالم، وقد أخذ الغرب الفكرة عن الإسلام، قلت: «هذا اللي شاطرين فيه»، كلما تحدثنا عن تطور في الغرب، يقال لنا: نحن الأول. تتحدث عن العلم، فيقال لك: أخذ الغرب عنا العلوم، وتنهال عليك أسماء ابن سينا والرازي والخوارزمي، لتصبح فكرة الطيران عربية تم سرقتها من قبل الغرب، وعندما تتحدث عن سلوك أهل اليابان، يقفز لك أحدهم ليقول أنهم أخذوا تعاليم ديننا فيما نحن تركناه، كأن كل تقدم في العالم كان حصيلة ميراث العرب، والحقيقة أنني لا أنكر على أمتي ما حققته في مجدها التليد من منجزات في مجالات مختلفة، ولكن استمرار اجترار الماضي باعتباره جزءاً من حاضرنا، ما هو إلا نوع من أنواع الإنفصام والتعويض عن لذة مفقودة.

أقول: كفى، نحن أبناء اليوم، ونحن أمة متخلفة، والاعتراف بالتخلف هو الخطوة الأولى نحو البحث عن سبل النهوض، وطريق العودة للحاق بركب العلم والتطور والتنمية الفاعلة، وليس مجرد لوحة على باب مؤسسة، والوقفية لا تعني فقط حبس أموال لصالح جهة معينة، وإنما تحويل الوقفيات النقدية إلى استثمارات حقيقية تدر أرباحاً، وتسهم في تطوير نفسها، والوقف الذي أُوقفت من أجله.

ويعود الفضل في الأردن إلى الأستاذ الدكتور عبد الكريم القضاة الذي استطاع أن يضع حجر أساس لوقفية للجامعة الأردنية هي الأولى في جامعات الوطن، وذلك في تشرين الثاني من عام 2018، وليست وقفية الجامعة الأردنية، إلا بداية متواضعة يجب البناء عليها وتعظيمها وتشجيعها ودعمها، ولكنها لا تماثل حتى الآن وقفيات الجامعات الغربية، لا في موجوداتها ولا في مشاريعها، إنها الفكرة نفسها، ليس المهم اليوم من أين جاءت وليس بالضرورة تديين مثل هذه الأفكار، ولكن الأهم هو النظر إليها ببعدها الأخلاقي والإنساني والوطني، وأثرها في دعم الأجيال المقبلة عندما يتضاعف عدد سكان الأردن بعد أقل من ثلاثين عاماً، وهذا هو المهم، النظر إلى المستقبل، وتخيل شكل الحياة فيه، وتوفير بنية صلبة من المشاريع الوقفية التي تخفف العبء عن الدولة، وتسهم في الاعتماد على الذات.

وما يصار على التعليم، يجب فعله في مجال الصحة، فلماذا لا تبادر المستشفيات الخاصة في الأردن، والتي تدر أرباحاً، بتخصيص جزء من هذه الأرباح لاستثمارها في مشاريع وقفية، واستثمار أموال في مجالات مختلفة ربما يكون العقار أكثرها أماناً، ولماذا يتم حصر مفهوم الوقف في مساجد يزيد عددها في الأردن عن 6000، إضافة إلى آلاف تحت الإنشاء.

الغرب يستثمر في الوقف، وأما نحن، فقد أوقفنا وقف الوقف، واكتفينا بالقول، وأصبح القول، مجرد قول على قول، ورحم الله زهير الكرمي.

والله من وراء القصد

(الدستور)




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :