facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة





حكايا البساط الأخضر


عامر طهبوب
04-01-2022 12:05 AM

قال لي صديق: ما أجمل الأرض عندما تتحول إلى بساط أخضر بعد هطول المطر. تذكرت البساط الأخضر. تذكرت جاسر. ما بين فصل الخريف وفصل الشتاء، هنالك فصل أسماه نزار قباني، فصل البكاء، تكون فيه النفس أقرب من أي وقت مضى للسماء، وأما بالنسبة لي، فالشتاء، فصل الدفء، وفصل الحزن، وفصل الحساء.

فصل الشتاء، فصل الفصول، فصل كرم السماء، ترتدي فيه الرداء، وتبعد عنها حرارة شمس النهار، وقمرٌ يغار، ويسقط فوق ماء البحر ماءٌ، ليغسل صدف المحار، ويروي العطاشى. ينزل السكينة مع اصطدام الغيم، ووهج البرق، وعدو الرياح، ليهطل مطراً يغسل أوراق الشجر، وتعود شمس الربيع، ونعود لنتذكر البساط الأخضر.

كان الطلبة ينتظرون الربيع ليجلسوا على البساط الأخضر، يتحلقون في حلقات تواصل، يحيطون بجاسر، رجل كاسر، أو يحيط بهم، يحيطهم بمحبته وحمايته، ودماثة خلقه. جاسر رجل آسر، استثنائي بامتياز، إشكالي دون تردد. كان أستاذهم، أو قل معلمهم، لأنه لم يدرِّس معظمهم. زوّجت أمه الشاعرة عايشة الهباهبة، زوجها عندما جاءتها المنية وهي في السابعة والعشرين، زوجت أباه من فتاة كردية، خشية أن يتزوج من فتاة «حَط عينه عليها»، يعمل شقيقها فراناً، كل ما في الأمر أنها خشيت أن يكون جاسر بعد رحيلها الخاسر، فيصبح فراناً. لم تكن تعلم أنه سيصبح عالماً في الفيزياء النووية. والده من عسكر الفرسان، بدأ جاسر حياته طالباً مستمعاً في دير أبي سعيد. درس الابتدائية في جرش، اعتنت به زوجة أبيه «شازية»، وأم شازية. أكمل دراسته في إربد قبل أن ينتقل إلى الضفة الغربية مع والده بعد وحدة الضفتين.

لا تعرف فيما إذا كان الرجل شيوعياً أم تحريرياً، يسارياً أم بعثياً، علمانياً أم صوفياً، اشتراكياً أم رأسمالياً، لكنه بالضرورة كان إشكالياً و»مشكلجي» كبير. لم يكن عبثياً، وإنما وطني أردني حر. اعتقل بعد عودته من مطار القدس إلى عمان عام 1959، إلا أنه رغم شقائه، حصل على منحة لدراسة الفيزياء النووية عام 1968.

كان جاسر الشوبكي ثاني المعينين من أعضاء الهيئة التدريسية في جامعة اليرموك عند تأسيسها عام 1976. ببساطة، لأن الأردن منذ نشأته، اتسع لكل أبنائه، ألِفت الدولة أن تضرب كفاً، وتُعلّق طاقية. ألِف هذا الوطن أن يستوعب من لا يستوعبه، وأن يستعيد أبناءه إلى أحضانه.

التقيتُ بجاسر أول مرة وهو يضع يديه الاثنتين في بنطال من الجينز المُخَنصَر عام 1980، ويسير بتؤدة وابتسامة ترتسم على شفتيه، قبل أن أشاهده يجلس في حلقة من تلك الحلقات على البساط الأخضر، يضع علبة سجائره بجانبه، ويدير أحاديث مع الطلبة، متنقلاُ بين حلقة وأخرى. عُرف جاسر بأنه نصير الطلبة، يبدو أنه كان ينصرهم مظلومين أو ظالمين، يدافع عن قضاياهم، يتبنى شؤونهم، يحمل همّهم، ويقدم لهم سجائر «المارلبورو» المهرّب في ذلك الوقت، ويدعو المقربين منهم إلى قلاية بندورة باللحم، طبقه المفضل، إذا لم يتوفر الخاروف وخبز الشراك.

مرت سنوات طويلة قبل أن ألتقي جاسر ثانية. التقينا في نادي سنابل اليرموك قبل عامين. عانقته فعانقني. فرحت برؤيته. كبر جاسر، ولما عدت بعد سنتين أسأل، كان قد فقد بعضاً من الذاكرة. ماذا أفعل. سألت ليلى: ألن يعرفني إذا رآني؟ قالت: دعنا نجرّب. قررت زيارته. سلّمت عليه، وسلّم عليه صديقي زيد الحموري، أقرب المقربين إليه. سألني: هل أنت من طلابي؟ قلت: نعم. قال: هل كنت تجلس معي على البساط الأخضر؟ قلت: نعم، وكنت تعطيني سجائر. ابتسم: إذاً أنت من طلابي. بعد قليل قال: هل تأتي معي إلى غرفتي؟ قلت: ماذا سأفعل في غرفتك؟ قال: ألا تريد أن ترى «جوني»؟ (طليقته، وأم ولده خلدون، وابنته أروى) قلت: بَلى. وقفت معه وهو يتأمل صورته مع والده عندما كان طفلاً، وصورته مع محبوبة قلبه وأم أولاده التي رحلت. قال: هل يمكن أن تزور الأردن: قلت: ما المانع، نرسل لها تذكرة لزيارتنا. قال: «بنت الكلب كانت حلوة»، وأطلق ضحكة مجلجلة.

جاسر الشوبكي فقد بعض ذاكرته قبل أن يتم تفريغها، ففي ذاكرة رجل كهذا، عِلم فياض، وفلسفة غنية عميقة، وتاريخ بلاد، ومستقبل أولاد. لم يفقد محبة «جوني»، ولا الروح الجميلة، ولم يفقد ذكريات البساط الأخضر، وربيع إربد،، ولم ينس هطول المطر، ولا مواسم قطف الزيتون، وتحيط بجاسر أخته غير الشقيقة، تحيطه ليلى في كبره، كما أحاطها في صغرها، تقول: «أنا ترباية جاسر». هذا إضافة إلى إحاطة ابنتها الطبيبة دينا وعنايتها في خالها، وصحبة زوج ليلى، الطبيب الإنسان قاسم الشمايلة، يواصل في بيته العناية بجاسر ليل نهار، ليضرب أروع الأمثال في قيم المحبة والجمال. لا يشعر جاسر بالبرد في الشتاء، وإنما بدفء محبة، وهو عاشق للدفء، وحوله قلوب تتقهقر من دفء حرارتها نيران، تواصل حديثها معه عندما يهطل المطر، عن حكايا البساط الأخضر.

(الدستور)





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :