facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





غزة وغسان وأنا


عامر طهبوب
13-01-2022 09:01 AM

أقل من أربعين يوماً فقط، فصلت بين تلك الرسالة التي كتبها غسان كنفاني إلى غادة السمان من كازينو أبو هويدي على شاطئ غزة الحزين، وسقوط الضفة الغربية وقطاع غزة بيد المحتل في الخامس من حزيران عام 1967، ولعل تلك الرسالة من أهم الرسائل التي تعنيني من بين كل رسائل كنفاني، لأنها أولاً كتبت من غزة، وليس من بيروت، أو القاهرة، وليست من بين رسائل، لم تعرف غادة تاريخها، أو مكان كتابتها، والثاني هي أني جلست على إحدى تلك الطاولات الأربعة التي جلس عليها غسان بعد سبع سنوات من شعوره بالتواجد في قارورة باردة من عزلة وضجر، رغم ما منحه أهل غزة من دفء ومحبة، يوم اكتشف أن كل قيمة كلماته، تكمن في تعويض صفيق وتافه، لغياب السلاح.

كان غسان العاشق، يمتلك قدرة عجيبة على استحضار صورة المحبوبة، أو على تصوِّرها، يراها، كما يرى أمام عينيه أمواج البحر الهادرة، وينظر إلى أعين الواقفين على شرفات الكازينو؛ كازينو أبو هويدي، أو كازينو الأندلس، أو فندق الأندلس، أو فندق قصر البحر، كلها كما قال غسان، عناوين لأربع طاولات على الشاطئ، ينظر إلى أعين الواقفين أمامه، ليرى إذا كانوا قد لمحوا غادة كما لمحها بقلب المحب.

لم أكن أعرف يوم جلست على شاطئ غزة مبهوراً بمشهد مراكب الصيادين، غسان كنفاني، ولا محبوبة غسان، كنت صبياً يافعاً، التساؤل الوحيد الذي خطر ببالي في تلك الساعة، فيما إذا كان حذائي يمكن أن يطفو على سطح ذلك البحر، كما تطفو قوارب الصيادين، أم أنه سيغرق. خلعت حذائي، وربطته ليشكل قاربين متصلين صغيرين، ومع انشغالي باللعب مع الصبية، غفلت عن مراقبة رحلة إبحار حذائي، ولا أعرف حتى الآن، فيما إذا كان أخذ طريقه مبحراً في عرض البحر، أم أنه تعرض للغرق، كل ما أعرفه أنني عدت إلى البيت حافي القدمين.

خرجت في تلك الليلة أنتعل حذاء جديداً، إلى "بوظة كاظم" في "الرمال"، بعد أن تناولت وصديقي الغزي جميل البورنو فلافل وحمص من "السوسي" في شارع الشهداء، وقبل أن نعبر إلى صالة ألعاب إلكترونية، لأفوز بعلبة سجائر من نوع "الثلاث خمسات"، ونتوجه لحضور فيلم في سينما النصر.

تسكعت في شوارع غزة أياماً وليال في السنوات الأولى التي تزوجت فيها أختي، وانتقلت من جبل"اللويبدة" في عمان إلى حي "الرمال" في غزة، نسير على طول شارع "فهمي بك"، الذي يربط غزة من شمالها إلى جنوبها، نتناول الإفطار في مطعم "صوفر"، ونستعد لحضور فيلم سينمائي آخر في سينما السامر التي تعلو المطعم.

كنت أرافق زوج أختي لشراء الصحف والمجلات من مكتبة خميس أبو شعبان، أقف معه للسلام على مدير مدرسة فلسطين سامي أبو شعبان، وأرافق صديقي جميل، إلى "الجميزات"، لنتعربش واحدة من الجميزات الثلاث في طريقنا إلى البحر، إنها غزة البهية التي يرتدي رجالاتها طرابيشهم الحمراء، ويتوجهون عند المساء إلى مقهى "أبو سهلا"، أو إلى القهوة المعلقة القريبة من ساحة الميدان "مقهى جبريل". غزة البحر الكبير، والبيوت الجميلة لعائلات مرتجى، وأبو رمضان، وأبو شعبان، والبورنو، والحصري، والحسيني، وعكيلة، وسكيك، والشوا، واليازجي، والمغربي، وغيرها من عائلات استقبلت المهجرين من أبناء فلسطين بعد النكبة، واستقبلت غيرهم بعد النكسة، وبعد خيبة أصابت العمل النضالي، وأصابت الوحدة.

أصبحت غزة عنوان أكبر اكتظاظ بشري في العالم، وتحوّلت إلى أعقد مدينة على وجه الأرض، صعبة المراس، شديدة البأس، كثيرة البؤس، عنوان أنفة وعزّة، موطن معاناة، مفردة فُرقة، خندق وحدة، وموقعاً للنضال. مدينة مُهابة، حاصرها المحتل، فحاصرت حصاره، سجن أهلها، فسجنته، ضربها فضربته، ضغطها فكبرت، حصارها مكلف، واقتحامها متلف، لا يستطيع المحتل رفع أعينه عنها، ولا يمتلك القدرة على مواصلة النظر إليها. غزة المكثفة، ذخيرة شعب لا يخاف بعد أن فقد كل شيء، لا يخاف على شيء، ولا يخاف الموت، لأنه يعيشه، فمن هي القوة التي تستطيع أن تقهر كائناً يسير كل صباح، على الخط الفاصل بين الموت والحياة.

التقيت بغسان كنفاني مرة واحدة في مثوى الشهداء في بيروت عام 2018، كانت فرصة السؤال عن ذكريات الحب والحرب على شاطيء كازينو أبو هويدي قد فلتت، أهذي وأنا أتصوره كما يتصور العاشق معشوقته وهي بعيدة عن ناظريه، أو كما يراها في قلبه، ثم قرأت الفاتحة، وعدت من حيث أتيت.




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :