من مؤسسات الرجل الواحد إلى منظومات القرار
م. رياض الخرابشة
26-11-2025 09:03 AM
* كيف تصنع الجدارةُ طريق المصلحة العامة؟
في زمنٍ تتزايد فيه التعقيدات وتتسارع فيه المتغيرات، لم يعد ممكناً لأي مؤسسة أن تعتمد على “الرجل الواحد” أو “الرجل الأول” كمرتكز وحيد للفهم والقرار. فالعصر الحديث يفرض نمطاً مختلفاً في الإدارة؛ نمطاً يقوم على الجدارة والاستحقاق والممارسة والتمكّن والقدرة، ضمن إطار مؤسسي يُوزّع الأدوار ويضبط القرار ويضمن استدامة الأداء.
الجدارة، في جوهرها، ليست لقباً يُمنح ولا صفةً تُتداوَل، بل معيارٌ يتجلى حين تصطدم القرارات بالواقع، وحين تحتاج الملفات إلى فهمٍ عميق وحلولٍ قابلة للتنفيذ. أما الاستحقاق فهو العدالة التي تضع كل شخص في موقعه الطبيعي، فتُعيد ثقة العاملين بالمؤسسة، وتُعيد ثقة المجتمع بمن يقودها.
لكن هذه القيم لا تعيش في فراغ. فهي تحتاج إلى مؤسسات تمتلك هيكلاً واضحاً للموارد البشرية يفرّق بين الأداء العالي والمتوسط والضعيف، ويكافئ الجهد الحقيقي بدلاً من أن يذوبه في بيروقراطية جامدة. وتحتاج كذلك إلى هيكل تنظيمي للقرار يحدّد من يدرس المشكلة، ومن يصنع البدائل، ومن يقيّم المخاطر، ومن يوافق، ومن يراقب التنفيذ.
هذه المنظومات ليست شكلاً تنظيمياً فقط، بل هي الضمانة الوحيدة لاستمرار أي نجاح. فالمؤسسات التي تُدار بعقلية الفرد الواحد تبني نجاحاً مؤقتاً، بينما المؤسسات التي تُدار بعقلية الفريق تصنع نجاحاً دائماً، لأنها تفصل بين الشخص والمنصب، وبين القرار والمزاج، وبين المصلحة العامة والمصلحة العابرة.
الممارسة والتمكّن يصبحان مؤثرين حين يعملان ضمن نظامٍ يمنح صاحبهما قدرة حقيقية على الإنتاج، لا مجرد هامش من العمل الروتيني. والقدرة، بمفهومها الشامل، تتضاعف حين تتحرك داخل بيئة موزونة تمنع الانحراف، وتضبط العلاقة بين المبادرة الفردية والقرار المؤسسي.
وحين تجتمع هذه العناصر كلها—هيكلة، جدارة، استحقاق، تمكّن، وقدرة—يولد الفارق الحقيقي: مؤسسة تستغني عن فكرة “الرجل الذي يعرف كل شيء”، وتصنع بدلاً منها منظومة تعرف كيف تعمل… حتى لو تغيّر كل رجالها.
بهذه الطريقة، يتحول الاختلاف إلى مساحة للإثراء، ويتحول الاتفاق إلى أرض صلبة لصناعة القرار، وتصبح المصلحة العامة نتيجة طبيعية لعملٍ مؤسسي ناضج، لا شعاراً يتكرر دون أثر.