تتميز القطط في العادة بأنها كائنات لطيفة ودودة، ويمكنها العيش مع البشر، دون أن تتسبب في إزعاجهم، أو إيذائهم، وهي قادرة على جذب اهتمامهم بحركاتها التي توحي بالتذلل والخضوع والمبالغة في الطاعة، إلى حد الانزلاق بين الأقدام، فضلا عن صوتها الخفيض، واقتصادها في المواء؛ فهي لا تموء في العادة إلا للتعبير عن حاجة، كالطعام، أو الشراب أو طلب التزاوج، وهي مختلفة عن الكلاب التي تترنم بالنباح ،لاسيما في هدأة ليل القرى البعيدة عن الضوء، حين يهجع البشر المكدودون ويخلدون للراحة.
لا تحاول القطط الدخول في جماعات مشاكسة تعكر صفو ليالي الصيف الدافئة كما تفعل الكلاب التي تجتمع في عوائل تتناوب النباح مع عوائل كلبية أخرى في الفجاج الخالية، كما لو انها تسمر أو تتحاور ، ترسل نداءاتها، ثم تتوقف، تستقبل موجة مكافئة من النباح بالنبرة والوتيرة نفسها، تكون هادئة بطيئة أحيانا، وسريعة مشحونة بالنزق أحيانا أخرى كما لو كانت تعبر عن برم أو احتجاج على شيء ما، ثمة فواصل ناعمة تتخلل النباح، ثم يستمر التكالب لوقت متأخر من الليل.
في عالم القطط الأثير يكون المواء مطعما بالتنغيم للتعبير عن كل حاجة بشكل يختلف عن الأخرى، فهي قادرة على إدارة حوارات بيولوجية، وأحيانا وجدانية دافئة مع البشر لا تخلو من بعض المراسم البروتوكولية، إنها ماهرة في التحكم بنبرة صوتها والتدرج في قوته، وغالبا ما يستطيع مربو القطط تأويل المواء لتلبية احتياجاتها، و معالجة المواقف الطارئة بمنتهى البساطة.
وخلاصة القول ان سلوك القطط أكثر تهذيبا من سلوك الكلاب، فالقطط تمارس بعض الطقوس التي تشبه التطهر، فهي تمسح وجوهها بأيديها حتى ذقونها، كما أنها حريصة على دفن مخلفاتها عند التغوط، وإناث القطط تحيض كإناث البشر، كما أن القطط ذكورا وإناثا تتحلى بشاربين طويلين يضفيان عليها شيئا من الهيبة والوقار الذي يجلل قليلاً من البشر.
ولكن على الرغم مما سبق يحدث أن تستكلب القطط اللطيفة فتأنف من الاحتكاك الناعم بمربيها، وتتعالى على الانزلاق بين الأقدام، والمواء الخافت الذي يشبه الحمد والثناء على ولي النعمة، يرتفع لديها هرمون الأدرينالين فتكور ظهورها وتكشر عن أنيابها، وترفع ذيولها ،وتشحذ مخالبها، يتبدل المواء الناعم المؤنس إلى حالة من الهياج العصبي وإثارة الجلبة بما يشبه الزئير، ثم تتخذ وضعية الاستعداد للوثب، في هذه الحالة تخرج القطط عن المألوف وتصبح عدوانية للغاية، يحدث هذا عندما يتم تسمين القطط أكثر من اللازم، وعندما تستحكم القطط في زوايا حرجة من المنزل تحمي ظهورها، وتسمح لها بالانقضاض مثل كرة مضغوطة بالهواء.
رأينا في الآونة الأخيرة كثيرا من تلك القطط وهي تستكلب، بل وتتنمر كثيرا على ولي النعمة، وتتنكر له، وتتجرأ على أن تقذف نفسها في وجهه عوضا عن قدمية، تنكر عليه كل الفضل، وتتطهر من رجس السحت، ودنس المخادع الوثيرة التي سقط فيها الزغب ونبت فيها اللحم...لم أر في حياتي أكثر نكرانا من تلك القطط المستكلبة... لقد باتت تتكاثر في الآونة الأخيرة، حتى أصبحت ظاهرة ملفتة تستوجب إعادتها سيرتها الأولى من قطط مستكلبة متنمرة إلى زجرها ونهرها بكلمة "ch it" أو "بِس" فالقط هو حالة حيوانية(نسبة إلى الحياة) متقدمة على "البِس" الذي يلوذ بالهرب حين يسمع هذه الكلمة، وهو لفظ يطلق على كثير من الكائنات البشرية حين تطغى عليها العدمية.