المصرفية الإسلامية خلال العشرية القادمة إعادة هيكلة وبناء
د. محمد فخري صويلح
29-11-2025 08:11 PM
شهدت المصرفية الإسلامية في العقد الأخير تسارعاً لافتاً في التحول من نموذج تقليدي معتمد على منتجات التمويل الأساسية، إلى صناعة مالية أكثر نضجاً وارتباطاً بالتقنيات الحديثة،، ومتطلبات التنمية المستدامة، ومع توقعات المؤسسات الدولية بأن يتجاوز حجم الأصول الإسلامية عالمياً حاجز 9 تريليون دولار بحلول 2030 وفق تقارير ستاندرد آند بورز وغيرها، فإن العشرية القادمة تبدو مرحلة إعادة بناء حقيقية لهذه الصناعة، بما يسمح لها بالانتقال من قطاع بديل إلى ركيزة رئيسية في الأنظمة المالية.
ويبدو واضحاً أن مستقبل المصرفية الإسلامية سيتشكل عبر عشرة محاور متفاعلة، تمثل خريطة الطريق لهذه الصناعة عالمياً، ويمكن للأردن الاستفادة منها بفعالية إذا ما نُظر إليها برؤية استراتيجية واضحة.
أولاً: ابتكار منتجات مصرفية جديدة، ولعل أكبر التحديات أمام البنوك الإسلامية هو التحول من منتجات صيغتها تقليدية إلى منتجات ذات بعد استثماري وتنموي، تجمع بين الكفاءة التشغيلية ومبدأ المشاركة في المخاطرة،،، إضافة إلى حاجة المصارف إلى تطوير أدوات ادخار واستثمار طويلة الأجل، وصكوك خضراء، ومنتجات للطاقة البديلة، وتمويل الاقتصاد الدائري، وصيغ ملائمة لتمويل الشركات الناشئة.
كما أن شريحة الشباب — التي تشكل أكثر من 60% من سكان الدول العربية — أصبحت تحتاج خدمات ادخار واستثمار سريعة ومرنة وذات تكلفة منخفضة.
ثانياً: الرقمنة والعملات الرقمية،،، فالتحول الرقمي لم يعد مساراً تطويرياً، بل شرطاً للبقاء،، حيث تشير تقارير ديلويت وبرايس وترهاوس كوبرز إلى أن ما يقارب ٧٠٪ من المعاملات المصرفية عالمياً تتم اليوم عبر القنوات الرقمية، وأن البنوك التي تتبنّى الذكاء الاصطناعي وتقنيات الأتمتة تحقق انخفاضاً في التكاليف التشغيلية قد يصل إلى ٢٠–٣٠٪.
وعليه ،،، فالمصرفية الإسلامية مطالبة بالانتقال نحو، منصات استثمار وتمويل رقمية متوافقة مع الشريعة،،، وحلول العقود الذكية لجعلها أكثر شفافية وانضباطاً،،، ومراجعة الموقف الشرعي والرقابي من العملات الرقمية والمستقرة Stablecoins في ظل توسع استخدامها العالمي.
ثالثاً: بناء الكفاءات البشرية،،، من الواضح أن العنصر البشري سيظل حجر الزاوية في العشرية المقبلة،، مع انتباهات مستقبلية تركز على بناء عنصر بشري يرتكز إلى،،، المعرفة الشرعية العميقة،،، والفهم المالي والمصرفي، والقدرة على التعامل مع التكنولوجيا الرقمية المعاصرة.
وتشير التوقعات إلى فجوة في سوق العمل الإسلامي تصل إلى ٢٠–٢٥٪ في مجالات الامتثال، إدارة المخاطر، الرقمنة، وهندسة المنتجات ولذلك يجب على المؤسسات المالية الاستثمار في الأكاديميات الداخلية، وبرامج الزمالة المهنية، وتأهيل قيادات مصرفية تستطيع خلق توازن بين الانضباط الشرعي والكفاءة التشغيلية.
رابعاً: تعظيم العوائد وضبط الإنفاق،،، فالنمو المستقبلي للبنوك الإسلامية لن يتحقق من خلال التوسع الائتماني وحده، بل عبر تحسين كفاءتها التشغيلية.
وقد أثبتت الكثير من النماذج الدولية أن الاستثمار في الرقمنة يخفض التكلفة التشغيلية، وأن إعادة توزيع الفروع وتحويلها لمراكز خدمات رقمية يرفع الربحية، وأن تعزيز إدارة السيولة يزيد الاستدامة.
كما أن القطاع المصرفي يحتاج لإدارة صارمة للنفقات، وربط استراتيجيات الإنفاق بنتائج الأداء، بما يحافظ على تنافسية المصرفية الإسلامية أمام البنوك التقليدية والتقنيات المالية الناشئة.
خامساً: التشاركية مع الوقف والتكافل والزكاة، تتجه العديد من الدول الإسلامية — مثل ماليزيا وإندونيسيا والسعودية — نحو بناء منظومة مالية متكاملة تربط بين القطاع المصرفي، والقطاع الوقفي، والتأمين التكافلي، وصناديق الزكاة.
ويحقق هذا الدمج ثلاثية،،، استثمار أموال الوقف والزكاة بطرق شرعية آمنة ومنظمة،،، وخلق أدوات تمويل اجتماعي تنموية منخفضة التكلفة،،، وتعميق أثر المصرفية الإسلامية في المجتمع بدلاً من اقتصار دورها على التمويل التجاري،، مما يجعلنا أمام منظومة قادرة على تعزيز الاستقرار المالي والاجتماعي بشكل كبير في العشرية المقبلة.
سادساً: التوسع الخارجي والاندماجات، حيث تشير البيانات الدولية إلى توسع واضح في البنوك الإسلامية داخل أوروبا وشرق آسيا وإفريقيا،، مما يحقق حضوراً عالمياً أقوى من خلال تحالفات استراتيجية، واندماجات بين البنوك الإسلامية، ودخول أسواق جديدة عبر بنوك رقمية إسلامية.
وذلك بهدف تكوين مؤسسات مالية إسلامية كبرى ذات قدرات تنافسية عالمية، تمكنها من إطلاق منتجات ضخمة، وصكوك سيادية، وتمويلات استراتيجية.
سابعاً: تعزيز الحوكمة والامتثال وإدارة المخاطر، فتطور الصناعة يفرض إعادة صياغة البنية الرقابية والحوكمية داخل البنوك الإسلامية وعلى رأس الأولويات استقلالية اللجان الشرعية، وتطوير إدارة المخاطر الائتمانية والتشغيلية الرقمية، ورفع مستوى الإفصاح والشفافية، وتبني الأطر العالمية مثل COSO و ISO 37000 ومعايير الأيوفي.
فالجمهور لم يعد يقبل التشابه الشكلي بين الإسلامي والتقليدي، بل يريد نموذجًا متقدمًا يقوم على النزاهة والانضباط المؤسسي.
ثامناً: بناء صورة ذهنية إيجابية،،، فالصناعة المصرفية تحتاج إلى خطاب جديد يعزز ثقة المجتمع مستندة إلى صورة ذهنية إيجابية تشمل إظهار أثر التمويل الإسلامي على الاقتصاد الحقيقي، وتحسين تجربة العميل، والابتعاد عن التعقيد اللفظي في الصيغ الشرعية، وتعزيز الشفافية في العقود والرسوم.
كما أن الجيل الجديد يحتاج لخطاب بسيط، عصري، وعملي، يربط بين روح الشريعة وحاجاته اليومية.
تاسعاً: إعادة إنتاج الفتوى والأحكام الفقهية بلغة عصرية، فمع التطور الرقمي والمنتجات الجديدة، لا بد من تطوير لغة الفتوى نفسها، والمطلوب في ذلك يحتاج لغة معاصرة واثقة، واحترام المقاصد الشرعية، والاستجابة لحاجات السوق مما يعني تعاون المؤسسات الشرعية مع خبراء التقنية والمالية لصياغة أحكام واضحة في قضايا مثل العملات الرقمية، والعقود الذكية، والتمويل الجماعي، والصكوك الرقمية.
عاشراً: تحديث التشريعات المصرفية، فنجاح الصناعة عالميًا، يوجب تطوير البيئة التشريعية بحيث تجمع معالجاتها بين تشريعات للصكوك، وقوانين واضحة للتمويل الإسلامي الرقمي، وأطر حوكمة متقدمة، وسياسات تشجع الابتكار وحماية المستهلك.
ولعل العديد من الدول بدأت مراجعة قوانينها لتسهيل نمو الصناعة، وهو مسار ستسير فيه أغلب الأسواق خلال العشرية المقبلة.
ويمتلك الأردن بنية مصرفية إسلامية متماسكة، وكفاءات بشرية متقنة، وسوقًا يتفاعل بوضوح مع التمويل الإسلامي، لكن ذلك يحتاج لتعزيزه بعشرية الأطر الاستراتيجية السابق ذكرها وبما يتيح للأردن أن يتحول إلى مركز مالي إسلامي إقليمي، وأن يخلق قطاعاً قوياً ومتوازنًا يخدم الدولة والاقتصاد والمجتمع خلال العشرية القادمة.