ليست فنزويلا اليوم خبرًا عابرًا في نشرة دولية، ولا اسم رئيسها مجرّد عنوان مثير للتداول، ما جرى ويجري حول كاراكاس يتجاوز الأشخاص إلى الدلالة، ويتجاوز الحدث إلى القاعدة، إننا أمام لحظة تصلح لأن تُقرأ بوصفها عِبرة سياسية واستراتيجية في عالم يتغيّر بسرعة، وتُعاد فيه صياغة مفاهيم السيادة، والحماية، والتحالفات ، وهشاشة المنظومة الدولية ، والهيمنة بالقوة ، والفساد الداخلي .
على مدى سنوات، عاشت فنزويلا تحت حصار اقتصادي خانق، وعقوبات مركّبة، وضغوط سياسية متواصلة، وحكومات فاسدة ، لم تكن العملية الهدف منها يومًا الإصلاح أو الديمقراطية كما يروج له ، بل الاستمرار والاستئثار بسلطة وثروات لدولة تمتلك أحد أكبر احتياطيات النفط المؤكدة في العالم، وتقف خارج الاصطفاف الغربي التقليدي، النفط هنا ليس موردًا فحسب، بل مفتاح نفوذ، ومن يملك قرار النفط يملك ورقة كبرى في لعبة الطاقة العالمية، وهاهي واشنطن تتحرك لبسط السيطرة على الثروات .
الأمر حتماً يتعلق بالاقتصاد بوصفه ساحة حرب، حين تُحاصر دولة ماليًا وتُستنزف اجتماعيًا، يصبح اختراقها مسألة وقت، ليست الجيوش وحدها من تُسقط الدول، بل الفواتير، وسلاسل التوريد، والعملات، واليأس المتراكم، في هذا المناخ تتآكل الثقة داخل المؤسسات، وتتشقق الجدران من الداخل قبل أن تُطرق من الخارج.
والتحرك ضد فنزويلا يتصل بالتحالفات الكبرى، راهنت كاراكاس على شراكات مع الصين وروسيا، واستفادت اقتصاديًا وسياسيًا، لكن اللحظة الحرجة تُظهر دائمًا حدود هذه الشراكات، القوى الكبرى لا تدخل معارك بالنيابة عن أحد، ولا تُغامر بمواجهة مفتوحة من أجل حليف بعيد إذا لم تتقاطع المصالح مباشرة، هنا يتعلّم الجميع درسًا قاسيًا، التحالف لا يعني الحماية المطلقة.
ولابد من اسباب غير مباشرة تتعلق السياسية الاخلاقية بامتياز ، والاصطفاف مع الحق ، فنزويلا كانت من أكثر الدول وضوحًا في موقفها من إسرائيل، قطعت العلاقات، واصطفت علنًا إلى جانب الفلسطينيين، ووصفت الاحتلال بما هو عليه، هذا الموقف لم يكن بالضرورة سببًا مباشرًا لما جرى، لكنه جعل النظام غير محمي سياسيًا داخل المنظومة الغربية ، خاصة اللوبي الصهيوني الغربي الذي يحرك السلطات حسب مصالحه ، وأسقط عنه أي حساسية كانت قد تُؤخّر أو تُخفّف من حدّة الاستهداف، ففي عالم المصالح، المواقف الواضحة لها كلفة.
ثم تأتي الذرائع، حيث يُعاد تدوير خطاب المخدرات والأمن والجريمة العابرة للحدود لتبرير سياسات كبرى، لا أحد يُنكر وجود مشكلات أمنية في دول عديدة، لكن تحويل هذه المشكلات إلى سبب لإعادة هندسة نظام كامل أو تغيير قيادة دولة، يكشف عن فجوة واضحة بين الذريعة والهدف، فمكافحة الجريمة تُدار بالأدوات الأمنية التقليدية، لا بإعادة رسم خرائط السلطة.
وتكشف هذه التطورات في مجملها عن انهيارٍ متسارع في منظومة القانون الدولي ومبادئ السياسة الدولية التي طالما رُوِّج لها بوصفها ضامنًا للاستقرار العالمي، لم تعد سيادة الدول خطًا أحمر، ولا عدم التدخل مبدأً محترمًا، بل باتت هذه القواعد تُفسَّر وفق ميزان القوة لا وفق النصوص، نحن أمام انتقال من عالم تحكمه القوانين ولو شكليًا إلى عالم تحكمه القدرة على الفرض، حيث تُعلّق الشرعية عندما تعيق المصالح، ويُعاد تعريف الشرعي وغير الشرعي بحسب الجهة الفاعلة لا الفعل ذاته، وهو انزلاق لا يهدد دولة بعينها، بل يهدد فكرة النظام الدولي نفسها، ويفتح الباب أمام فوضى مقنّعة تُدار بالقوة الأمنية البوليسية الدولية الضاربة ، بدل تحريك الجيوش المكلف جداً ، وبالاختراق بدل الاحتلال.
الأمر الأخطر ، وربما الأهم، هي أن الدول لا تُخترق من الخارج فقط، أي عملية نوعية وأي ضربة دقيقة تفترض بيئة داخلية قابلة للاختراق، انقسامات، سخط، شبكات مصالح، فساد عابر للقارات ، أو اختراق استخباراتي تراكمي، اضطهاد شعبي ، طبقات فقر مطقع مقابل طبقة غنية تستأثر بخيرات البلاد ، حين تُفتح الأبواب من الداخل، تصبح القوة الخارجية عامل ترجيح لا أكثر ، بل قراءة واقعية لطبيعة الصراعات الحديثة.
ما الذي نتعلّمه إذًا، نتعلّم أن السيادة لم تعد مفهومًا محصّنًا بالنصوص، بل معادلة تُصان بالتماسك الداخلي، والاقتصاد المرن، وتوازن العلاقات، والعدل ، والمساواة،وتفكيك روابط الفساد ، نتعلّم أن الحصار الطويل أخطر من الضربة السريعة، ونتعلّم أن العالم يميل إلى نماذج الضربة الخاطفة بدل الحروب الطويلة، وأن القانون الدولي يُستدعى عندما يخدم، ويُتجاوز عندما يُعيق.
مادورو… عِبرة للسلطة الفاسدة حتى تآكلت داخلياً ، ليس لأن رجلًا أخطأ وحده، بل لأن نظامًا دوليًا يتشكّل أمام أعيننا، العِبرة ليست في الأسماء، بل في القواعد الجديدة، من يملك المعلومة والاقتصاد والاختراق، يملك القرار، ومن يترك جبهته الداخلية تتآكل، سيكتشف متأخرًا أن الخطر لم يأتِ من الحدود.