الرقابة بلا حوار، ديمقراطية ناقصة
عيسى حداد
07-01-2026 11:40 AM
ما جرى خلال جلسة مجلس النواب يوم أمس الأول وجرى أثناءها تقديم سؤال حول معايير العمل اللالق من النائب ديمة طهبوب لوزير العمل الدكتور خالد البكار، لم يكن نموذجًا سليمًا للرقابة البرلمانية التي ينبغي أن تُبنى على النقاش الهادئ، والمعلومة الدقيقة، واحترام الأصول والإجراءات. ما شهدناه ابتعد عن جوهر العمل النيابي، وتحولت المساءلة التي يفترض أن تقود إلى الحقيقة إلى حالة من التوتر والتصعيد عطّلت الدور الرقابي بدل أن تدعمه.
الدستور رسم المسار بوضوح لا لبس فيه: يُطرح السؤال، يُمنح الوزير حق الرد، ثم يُقيّم النائب الإجابة ليُقرّر إن كان سيحوّل السؤال إلى استجواب. تجاوز هذه المراحل والقفز مباشرة نحو الاستجواب قبل الاستماع إلى الرد لا ينسجم مع مفهوم الرقابة المؤسسية الرصينة، بل يضع علامات استفهام حول الهدف: هل كان المقصود الوصول إلى إجابة أم صناعة مشهد سياسي؟
الأكثر إزعاجًا أن محاولة الوزير تقديم رد منهجي من حيث إنتهى السؤال، واجهت مقاطعة وتشويشًا وارتفاعًا في حدّة النقاش تحت القبة، مع محاولات لمنعه من استكمال حديثه والمطالبة بشطب عبارات لم تكن خارجة عن الأصول، بل كانت تمهيدًا منطقيًا لعرض موقف الوزارة. مثل هذا السلوك لا يقوّي الرقابة، بل يُضعفها، لأن الرقابة التي تُقصي حق الطرف الآخر في الدفاع عن نفسه تفقد توازنها وثقة الرأي العام بها.
وفي سياق التصعيد ذاته، جاء ما بات يوصف بأنه أطول استجواب في تاريخ المجلس، عبر تقديم مئة سؤال دفعة واحدة يوم أمس من النائب ديمة طهبوب حول مفهوم “العمل اللائق” ومحاوره الستة: السياسات العامة والتشغيل، الأجور، الحماية الاجتماعية، تشريعات العمل، النقابات والحوار الاجتماعي، إضافة إلى السلامة المهنية وإنفاذ القانون. لا خلاف على حق النائب في السؤال ولا على مشروعية التدقيق؛ فالرقابة حق أصيل. لكن عندما تتحول الأداة الرقابية إلى إثقال كمي مبالغ فيه، فإنها قد تفقد قيمتها ومعناها، وتتحول من مساحة تقييم موضوعي إلى حالة إنهاك سياسي.
المصلحة الوطنية لا تتحقق بالصوت المرتفع ولا بإقصاء الردود، ولا بتحويل قبة البرلمان إلى ساحة صراع. المصلحة تتحقق عندما تسود الحجة، وتُعرض الوقائع بوضوح، ويُتاح لكل طرف أن يقدم روايته كاملة أمام الأردنيين الذين يملكون الحق في الاطلاع على الحقيقة، كما يملك الوزير حق الدفاع ضمن الإطار الدستوري والأخلاقي.
ما جرى تحت القبة لا يمكن اعتباره تفصيلاً عابرًا، بل محطة تستدعي التأمل في كيفية ممارسة الرقابة مستقبلًا ضمن إطارها الدستوري وأدواتها المشروعة؛ فالرقابة البرلمانية ركن أساسي في النظام الديمقراطي، وهي ضمانة لحماية المصلحة العامة وتصويب الأداء الحكومي، لكنها تكتسب قيمتها عندما تُمارس بروح المسؤولية، واحترام الإجراءات، وإتاحة المجال للحوار المتوازن وتبادل الرأي والحجة. المطلوب اليوم ليس الحد من الرقابة ولا التقليل من شأنها، بل تعزيزها وتطوير أدواتها بما يحفظ هيبتها ويجعلها أكثر تأثيرًا وارتباطًا بهدفها الجوهري "خدمة الوطن عبر رقابة عادلة، واعية، ومنظمة"، تلتزم بالقانون وتُبقي المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.