إصلاح الدولة يبدأ من إعادة هندسة القطاع العام
د. مثقال القرالة
18-01-2026 12:20 PM
في كل مرة يُعاد فيها فتح ملف تطوير القطاع العام، يتقدّم المشهد خطابٌ أنيق، مشبع بالمصطلحات، غنيّ بالوعود، لكنه للأسف فقير بالأثر. يتغير الوزراء، تتبدل العناوين، تُعاد صياغة الاستراتيجيات، ويبقى المواطن في الموقع ذاته: ينتظر خدمة بطيئة، يواجه إجراءً معقداً، ويصطدم بجدار إداري لا يعترف بعجلة الزمن ولا بمتطلبات الواقع. ومن هنا، لا بد من قول الحقيقة بلا مواربة: ما نسمعه عن تطوير القطاع العام سيبقى حديث مجالس ما دام هذا القطاع غير مؤهل لأداء مهامه بالكفاءة المطلوبة، وما دامت بنيته عاجزة عن الاستجابة السريعة، وطاقته محدودة في مواجهة التغيير المتسارع في طبيعة الخدمات وتوقعات الناس. لقد علّمتني سنوات طويلة من العمل داخل الاردن وخارجه الى أن المشكلة ليست في الأفراد بقدر ما هي في المنظومة؛ منظومة شُكّلت في زمن مختلف، بعقلية مختلفة، وما تزال تُدار بالأدوات ذاتها في عصر تحكمه السرعة، وتحركه البيانات، وتقوده التكنولوجيا. قطاع عام يعمل بمنطق “الإجراء” لا بمنطق “الأثر”، ويقيس النجاح بعدد المعاملات المنجزة لا بجودة الخدمة المقدّمة، لا يمكن أن يكون محركاً للتنمية ولا ركيزة للثقة بين الدولة والمواطن.
المرونة الإدارية ليست ترفاً تنظيمياً، بل شرط بقاء. وفي عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة، تصبح المؤسسات العامة التي لا تملك القدرة على التكيف مؤسسات تُدار إلى الخلف، مهما حسنت نوايا القائمين عليها. التأخير لم يعد مجرد إزعاج، بل كلفة اقتصادية، والبيروقراطية لم تعد مجرد إرث إداري، بل عائق تنموي حقيقي ينهك المواطن ويستنزف الدولة. من هنا، فإن أي حديث جاد عن تطوير القطاع العام يجب أن يبدأ من تغيير فلسفة الحكم الإداري، لا من تجميل واجهته. الإصلاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الورش والمؤتمرات، بل بقدرة النظام العام على تقديم خدمة سريعة، عادلة، شفافة، وقابلة للقياس. وهنا، تبرز الحكومة الإلكترونية لا بوصفها خياراً تقنياً، بل باعتبارها العمود الفقري لأي مشروع إصلاحي حقيقي. حيث أن الحكومة الإلكترونية ليست منصة خدمات فقط، بل نظام حوكمة جديد. هي كسر للجزر المؤسسية المغلقة، وربط ذكي بين الوزارات والهيئات، وتكامل فعلي في قواعد البيانات، يمنع الازدواجية، ويقضي على تكرار الطلبات، ويختصر الوقت والجهد والكلفة. وهي في جوهرها انتقال من دولة الأوراق إلى دولة القرار المبني على البيانات، ومن إدارة ردّ الفعل إلى إدارة الاستباق.
والأهم من ذلك، أن الحكومة الإلكترونية تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن. المواطن لم يعد طالب خدمة يقف على باب المؤسسة، بل شريكاً في منظومة رقمية مفتوحة، تتيح له الوصول، والمتابعة، والمساءلة. كما أنها تفتح باب التكامل الحقيقي مع القطاع الخاص، بما يعزز الكفاءة، ويرفع جودة الخدمات، ويخلق بيئة تنافسية صحية تخدم الاقتصاد الوطني ككل. لكن، وللإنصاف، لا يجوز اختزال الحكومة الإلكترونية في شراء أنظمة أو إطلاق تطبيقات. الخطر الأكبر هو أتمتة الفشل؛ نقل التعقيد الورقي إلى تعقيد رقمي أكثر أناقة وأشد قسوة. النجاح هنا مشروط بإصلاح تشريعي يواكب التحول، وبإعادة تأهيل شاملة للموارد البشرية، وبناء ثقافة مؤسسية تؤمن بأن التكنولوجيا أداة تمكين لا تهديد، وأن الوظيفة العامة رسالة كفاءة لا مساحة نفوذ.
التحدي الحقيقي ليس تقنياً بقدر ما هو تحدٍ قيادي. قيادة تمتلك الجرأة على تفكيك التعقيد، والشجاعة لاتخاذ قرارات غير شعبوية، والحكمة لإدارة التغيير دون صدام مع الإنسان داخل المؤسسة. فالإصلاح لا ينجح بالإقصاء، ولا يستقيم بالتردد، ولا يكتمل دون وضوح الرؤية واستمراريتها. إن أردنا تطوير القطاع العام في اردنا الحبيب وبشكل حقيقي، فعلينا أن نخرج من دائرة الخطاب إلى ساحة الفعل، ومن منطق التجزئة إلى منطق المنظومة، ومن إدارة اليوم إلى صناعة المستقبل. المطلوب مشروع وطني متكامل، تقوده قيادة تنفيذية مؤمنة بالإصلاح، وتدعمه إرادة سياسية صلبة، ويُدار بعقلية مهنية لا تخضع للحسابات الضيقة. ختاماً، أقولها بوضوح اكتسبته من التجربة لا من التنظير: تطوير القطاع العام ليس ملفاً إدارياً، بل قرار دولة. إما أن نمتلك الشجاعة لفتحه من جذوره، وعلى رأسها التحول الجاد إلى الحكومة الإلكترونية، أو سنبقى ندور في الحلقة ذاتها، نعيد إنتاج الخطاب، ونؤجل الحل، ونترك المواطن يدفع ثمن الانتظار. وفي لحظة كهذه، لم يعد السؤال: هل نريد التطوير؟ بل: هل نملك الجرأة لنقوده كما يجب؟