تربية الأبناء .. صناعة إنسان لا تربية أعمار
د. نسيم ابو خضير
24-01-2026 02:00 PM
تربية الأبناء ليست إطعامًا وكساءً وتعليمًا فحسب ، بل هي رسالة حياة ، وبناء إنسان ، وصناعة ضمير ، وصقل شخصية ستواجه الدنيا بما فيها من تحديات وإغراءات .
فالطفل لا يولد شريرًا ولا صالحًا ، وإنما يولد صفحة بيضاء ، ونحن من نكتب أول سطورها ، ونرسم ملامحها الأولى .
إن صقل شخصية الأبناء يبدأ من البيت ، من الكلمة التي يسمعونها ، ومن النظرة التي يرونها ، ومن السلوك الذي يُمارَس أمامهم قبل أن يُطالَبوا به . فالقدوة الصامتة أبلغ من ألف موعظة ، والعدل في البيت أعمق أثرًا من أي درس أخلاقي . حين يرى الإبن أباه صادقًا ، وأمه رحيمة ، يتعلم الصدق والرحمة دون أن يُلقَّن .
ومن أعظم ما يُغرس في نفوس الأبناء: الثقة . أن نثق بهم لا يعني أن نتركهم بلا توجيه ، بل أن نشعرهم بقيمتهم ، وأن الخطأ ليس نهاية الطريق بل بداية الفهم والنضج . الطفل الذي يُربّى على الخوف يتحول إلى شخص متردد ، أما الذي يُربّى على الحوار فيكبر وهو قادر على إتخاذ القرار وتحمل المسؤولية .
التربية الحقة تُعلّم الأبناء معنى الإنضباط لا القسوة ، ومعنى الحزم لا العنف ، ومعنى الحرية لا الإنفلات . هي توازن دقيق بين القلب والعقل ؛ حزمٌ يحمي ، وحنانٌ يحتوي ، وتوجيهٌ لا يُهين ، ونصيحةٌ لا تُكسِر .
ولا تقل القيم عن العلم شأنًا ، فكم من متعلمٍ أفسدته أخلاقه ، وكم من قليل العلم رفعه خُلُقه . إن زرع الصدق ، والأمانة ، وإحترام الآخر، وحب الوطنز، وخشية الله في السر والعلن ، هو الضمان الحقيقي لمستقبل الأبناء ، وهو الإرث الأثمن الذي نتركه لهم .
تربية الأبناء ليست مرحلة وتنتهي ، بل مسؤولية مستمرة ، ودعاء لا ينقطع ، وصبر طويل . هي إستثمار في الإنسان ، وأجرها لا يُقاس بسنوات الدراسة ، بل بأثرٍ طيب يبقى ، وسيرة حسنة تُروى ، وأبناء صالحين يكونون إمتدادًا ًا لخير آبائهم في الدنيا ، وذخرًا لهم في الآخرة.
فطوبى لمن أحسن التربية ، فصنع إنسانًا ، وبنى وطنًا ، وترك أثرًا لا يزول .