facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




‎مجلس السلام بين هندسة النفوذ والدوافع والمخاطر وآفاق السلام الفلسطيني


السفير الدكتور موفق العجلوني
25-01-2026 10:28 AM

يأتي الإعلان عن إنشاء «مجلس السلام» برئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في لحظة دولية وإقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها الحاجة إلى وقف دائم لإطلاق النار في غزة مع إرهاق المجتمع الدولي من طول أمد الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي. ومن حيث الشكل، يقدَّم المجلس كمبادرة مبتكرة تهدف إلى تعزيز الاستقرار، ودعم إعادة الإعمار، وتهيئة الظروف لسلام عادل ودائم.

غير أن التمعّن في بنية المجلس وصلاحياته، كما وردت في مسودة الميثاق، يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول طبيعة هذا الكيان، وحدود دوره، ومآلاته السياسية على المدى القريب والبعيد.

من الناحية المؤسسية، يثير مجلس السلام جملة من المآخذ التي لا يمكن تجاهلها. فتركيز الصلاحيات التنفيذية والمالية والسياسية بيد رئيس واحد، بما في ذلك حق الدعوة للعضوية، والتحكم في جدول الأعمال، والمصادقة النهائية على القرارات، يمنح المجلس طابعاً شخصانياً أكثر منه إطاراً دولياً تشاركياً. ورغم التأكيد المتكرر على أن المجلس لا يسعى إلى أن يكون بديلاً للأمم المتحدة، إلا أن آليات عمله المقترحة توحي بتجاوز فعلي للنظام الدولي القائم، أو على الأقل بإعادة تفسيره بما ينسجم مع موازين قوة جديدة.

أما البعد المالي، والمتمثل في ربط العضوية الدائمة بمساهمات مالية ضخمة، فيحمل في طياته مخاطر سياسية دقيقة. إذ إن تحويل التمويل إلى مدخل للنفوذ قد يضعف مبدأ المساواة بين الدول، ويجعل من القضايا الإنسانية، وعلى رأسها إعادة إعمار غزة، رهينة لأولويات الممولين لا لاحتياجات السكان أو لمتطلبات العدالة. ورغم التعهد باستخدام الأموال في تحقيق أهداف المجلس، فإن غياب آليات رقابة دولية مستقلة يظل نقطة ضعف بنيوية.

في هذا السياق، يمكن فهم ما يدور في ذهن الرئيس ترامب بوصفه سعياً إلى تحقيق معادلة معقّدة: تسجيل اختراق سياسي يُحسب له تاريخياً، وإعادة صياغة الدور الأميركي كراعٍ مباشر للسلام، وفي الوقت ذاته تفادي الانخراط في المسارات التقليدية التي أثبتت بطئها وتعقيدها. من هنا، يبدو مجلس السلام محاولة لإدارة الصراع بوسائل جديدة، أكثر مرونة وأقل التزاماً بالتفاصيل الخلافية الكبرى، مع التركيز على النتائج السريعة القابلة للتسويق السياسي.

ولا يمكن فصل هذه الرؤية عن الدور الفكري والسياسي الذي يمثله جاريد كوشنير، الذي برز في السنوات الماضية كأحد مهندسي المقاربة الأميركية الجديدة للصراع. فالكشف عن ملامح المخطط، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، يعكس توجهاً يرى في الاقتصاد وإعادة الإعمار مدخلاً أساسياً لتهدئة النزاعات، مع تأجيل القضايا السياسية الجوهرية إلى مراحل لاحقة. هذه المقاربة، وإن بدت براغماتية في ظاهرها، إلا أنها تصطدم بحقيقة أن الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي هو في جوهره صراع حقوق وسيادة، لا أزمة تنموية فحسب.

في خضم ذلك، يبرز موقع الفلسطينيين، ولا سيما أهل قطاع غزة، بوصفهم الطرف الأكثر تأثراً والأقل حضوراً في صياغة القرار. فغزة تُطرح في الخطاب الدولي كملف إنساني وأمني، أكثر منها جزءاً أصيلاً من مشروع وطني متكامل. ورغم أهمية تثبيت وقف إطلاق النار ودعم إعادة الإعمار، فإن اختزال الدور الفلسطيني في موقع المتلقي يهدد بإدامة حالة الاعتماد، ويُضعف فرص بناء سلام مستدام قائم على الشراكة والاعتراف المتبادل.

أما على صعيد العلاقة الأميركية–الإسرائيلية، فإن التحفظات التي أبدتها الحكومة الإسرائيلية تجاه تفاصيل الخطة تعكس توتراً محسوباً أكثر منه خلافاً جذرياً. فإسرائيل، وإن أبدت قلقها من عدم التنسيق الكامل، تظل حريصة على ألا تفرض عليها ترتيبات تمس جوهر سياساتها الأمنية أو الاستيطانية. وفي المقابل، تحاول واشنطن الحفاظ على هامش حركة يسمح لها بقيادة المبادرة دون الاصطدام المباشر بحليفها التقليدي، وهو توازن دقيق قد يحدد مستقبل المجلس ذاته.

يبقى السؤال الجوهري متعلقاً بكيفية الخروج من مأزق الرئيس ترامب السياسي، وفي الوقت ذاته تحقيق سلام حقيقي للفلسطينيين. من الواضح أن أي إنجاز شكلي، كوقف إطلاق نار طويل الأمد أو إعادة إعمار جزئية، قد يمنح الإدارة الأميركية مكسباً مرحلياً، لكنه لن يكون كافياً لمعالجة جذور الصراع. فالسلام المستدام يتطلب معالجة القضايا المؤجلة: الأرض، والسيادة، والقدس، واللاجئين، ضمن إطار زمني واضح ومرجعية قانونية معترف بها دولياً.

وفيما يخص حل الدولتين، فإن الخطاب الرسمي لا يزال يؤكد الالتزام به، غير أن الوقائع الميدانية والسياسية تشير إلى تآكل مستمر في فرص تطبيقه. فالدولة الفلسطينية المستقلة، بعاصمتها القدس الشرقية، في الضفة الغربية وقطاع غزة، تبدو اليوم أقرب إلى مفهوم سياسي نظري منها إلى مشروع قابل للتنفيذ، ما لم تُتخذ خطوات عملية تعيد الاعتبار لوحدة الأرض والشعب والقرار.

ختاماً، يمكن القول إن مجلس السلام، بصيغته الراهنة، يمثل محاولة جريئة لإعادة التفكير في أدوات إدارة الصراع، لكنه في الوقت ذاته يحمل مخاطر حقيقية إذا ما استُخدم بديلاً عن العدالة، أو التفافاً على الحقوق المشروعة. فالسلام الذي لا يستند إلى القانون الدولي، ولا يضع الفلسطينيين في قلب المعادلة، قد ينجح في تهدئة مؤقتة، لكنه سيظل هشّاً، وقابلاً للانهيار عند أول اختبار جدي. والسلام، في نهاية المطاف، ليس قراراً إدارياً ولا صفقة مالية، بل مسار طويل يتطلب شجاعة سياسية، وتوازناً في القوة، واحتراماً للحقوق غير القابلة للتصرف.

إن مستقبل «مجلس السلام»، بصيغته المطروحة حالياً، لن يُحسم فقط من خلال أدائه في ملف غزة أو قدرته على تثبيت وقف إطلاق النار، بل سيتحدد بالدرجة الأولى من خلال موقعه داخل التوازنات الدولية الكبرى، وردود فعل القوى الفاعلة التي ترى في هذا المجلس مؤشراً على إعادة تشكيل قواعد النظام العالمي. فمن منظور دولي أوسع، يُنظر إلى المجلس باعتباره اختباراً لنوايا الولايات المتحدة: هل هو أداة مرحلية لمعالجة أزمة بعينها، أم خطوة باتجاه بناء أطر بديلة للحوكمة الدولية تتجاوز المؤسسات التقليدية؟

من زاوية الصين وروسيا، يثير مجلس السلام قدراً كبيراً من التحفظ والريبة. فهاتان القوتان، اللتان ترفعان خطاب التعددية القطبية واحترام سيادة الدول، تنظران بعين القلق إلى أي كيان دولي تُحتكر فيه السلطة بيد دولة واحدة أو شخص واحد. بالنسبة لبكين، يشكّل المجلس سابقة قد تُستخدم مستقبلاً لتجاوز مجلس الأمن في ملفات أخرى، بما فيها نزاعات تمس المصالح الصينية مباشرة. أما موسكو، التي خبرت آثار تسييس المؤسسات الدولية في ملفات أوكرانيا وسوريا، فترى في المجلس امتداداً لمحاولات فرض وقائع سياسية جديدة خارج التوافق الدولي، وهو ما يجعل مشاركتهما المحتملة، إن حدثت، مشروطة بإعادة ضبط صلاحيات المجلس وربطه الصريح بالقانون الدولي.

في المقابل، تبدو مواقف الدول العربية والإسلامية أكثر تعقيداً وتدرجاً. فمن جهة، هناك إدراك عميق للحاجة إلى أي جهد دولي يوقف نزيف الدم في غزة، ويفتح نافذة لإعادة الإعمار وتخفيف المعاناة الإنسانية. ومن جهة أخرى، تسود مخاوف حقيقية من أن يتحول المجلس إلى إطار يُدار فيه الصراع بعيداً عن جوهر القضية الفلسطينية، أو يُستخدم لفرض حلول جزئية لا تلبّي الحد الأدنى من الحقوق المشروعة، وعلى رأسها إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. لذلك، فإن انخراط هذه الدول سيبقى، على الأرجح، مشروطاً بمدى التزام المجلس بمبدأ تقرير المصير، وبضمان عدم توظيفه لتصفية القضايا العالقة تحت عناوين الاستقرار أو التنمية.

وتزداد هذه المخاوف في ضوء السياق الأوسع للسياسة الخارجية للرئيس ترامب، والذي يتسم بنزعة واضحة لإعادة تعريف مفاهيم السيادة والشرعية الدولية. فإثارة مسألة غرينلاند، والتلويح بالرغبة في الاستحواذ عليها، يعكسان ذهنية سياسية ترى الجغرافيا جزءاً من معادلة النفوذ، لا مجالاً تحكمه قواعد القانون الدولي وحده. كما أن الاعتراف الأميركي السابق بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل لا يزال حاضراً في الذاكرة الدولية، بوصفه مثالاً صارخاً على استعداد واشنطن لتكريس وقائع أحادية الجانب، حتى وإن تعارضت مع قرارات مجلس الأمن.

في هذا الإطار، يخشى كثيرون أن يتحول مجلس السلام إلى أداة لإضفاء طابع مؤسسي على سياسات الأمر الواقع، سواء في فلسطين أو في ملفات أخرى. فإذا لم يُضبط عمل المجلس ضمن حدود واضحة، فقد يُنظر إليه مستقبلاً كمنصة تمنح الشرعية السياسية لما ترفضه الشرعية القانونية، وهو ما سيقوّض الثقة الدولية به، ويحدّ من قدرته على الاستمرار.

وعليه، فإن نجاح مجلس السلام، أو فشله، سيعتمد على قدرته على الإجابة عن سؤال مركزي: هل سيكون جسراً بين القوى الدولية المتنافسة، ومنصة تعيد الاعتبار للتوافق والعدالة، أم أنه سيكرّس الانقسام الدولي، ويعمّق الشكوك حول نوايا الولايات المتحدة في مرحلة تتسم أصلاً بتراجع الثقة بالنظام الدولي؟ الإجابة عن هذا السؤال لن تتضح سريعاً، لكنها ستتبلور مع أول اختبار حقيقي يواجه فيه المجلس قضايا السيادة، والحدود، والحقوق غير القابلة للتفاوض. فإما أن يتحول إلى إطار دولي جامع، أو يبقى تجربة مثيرة للجدل، تعكس لحظة سياسية عابرة أكثر مما تؤسس لسلام دائم.

يبقى السؤال الأكثر حساسية واستحقاقاً للنقاش هو ما إذا كانت مشاريع من قبيل «مجلس السلام» تعبّر عن سياسة أميركية ثابتة، نابعة من مؤسسات الدولة العميقة وتحظى بتوافق داخلي، أم أنها تعكس في جوهرها نزعة شخصية مرتبطة بالرئيس ترامب نفسه، وقابلة للتبدد مع تغيّر ساكن البيت الأبيض. هذا السؤال لا يهم الأطراف الإقليمية وحدها، بل يشكل محور اهتمام أساسي للقوى الدولية التي تحسب حساب الاستمرارية قبل الاستثمار السياسي أو المالي في أي مبادرة طويلة الأمد.

من الناحية الدستورية والسياسية، لا توجد حتى الآن مؤشرات واضحة على أن «مجلس السلام» يحظى بتفويض صريح من الكونغرس الأميركي بوصفه إطاراً دائماً للسياسة الخارجية. فالكونغرس، الذي يملك صلاحيات حاسمة في ما يتعلق بالتمويل والالتزامات الدولية، لم يصدر تشريعات تؤسس للمجلس أو تدمجه ضمن البنية الرسمية للسياسة الأميركية. وهذا الغياب يضع المشروع في خانة المبادرات التنفيذية التي تعتمد، إلى حد كبير، على سلطة الرئيس ومزاج الإدارة القائمة، أكثر مما تعتمد على إجماع وطني أميركي طويل الأمد.

في المقابل، لا يمكن إنكار أن بعض ملامح المشروع تنسجم مع اتجاهات أوسع داخل السياسة الأميركية، ولا سيما الميل المتزايد إلى تقليص دور المؤسسات الدولية التقليدية، والبحث عن صيغ أكثر مرونة وأقل التزاماً بالقيود القانونية. إلا أن هذا الانسجام يظل جزئياً، ولا يرقى إلى مستوى السياسة المستقرة، إذ تختلف الإدارات الأميركية جذرياً في مقاربتها لدور الولايات المتحدة العالمي، وفي تقييمها لكلفة الهيمنة المنفردة مقابل العمل متعدد الأطراف.

وعليه، يميل عدد متزايد من المراقبين إلى اعتبار «مجلس السلام» أقرب إلى كونه تعبيراً عن أسلوب ترامب في الحكم، حيث تتداخل السياسة الخارجية مع الاعتبارات الشخصية، والرمزية، والسعي إلى صناعة إنجازات تحمل بصمة فردية واضحة. هذا الطابع الشخصي يفسر، إلى حد بعيد، سرعة طرح الفكرة، واتساع صلاحيات الرئيس داخل المجلس، وغياب البنية القانونية الصلبة التي تضمن استمراريته بعد انتهاء الولاية الرئاسية.

انطلاقاً من ذلك، تبدو المخاوف الدولية مفهومة، بل مبررة. فالدول التي قد تُدعى إلى الانخراط في المجلس، أو المساهمة في تمويله، تدرك أن أي تغيير في الإدارة الأميركية قد يؤدي إلى إعادة النظر في المشروع، أو تجميده، أو حتى التخلي عنه بالكامل. وتجربة السنوات الماضية تؤكد أن ما يُقرَّر بمرسوم رئاسي يمكن أن يُلغى بمرسوم رئاسي آخر، خصوصاً في غياب غطاء تشريعي من الكونغرس. و اكبر مثال العلاقة بين الرىيس السابق بايدن و الرىيس الحالي ترامب …!!!

وبالتالي ، يمكن القول إن هذه المشاريع تقف حالياً في منطقة رمادية بين السياسة الأميركية المؤسسية والنزوة السياسية العابرة. فهي تستند إلى قوة الرئاسة الأميركية، لكنها لا ترتكز بعدُ على قاعدة توافق داخلي تضمن لها الديمومة. ومن هنا، فإن الرهان عليها كإطار طويل الأمد لتحقيق السلام يظل محفوفاً بالمخاطر، ما لم تتحول من مبادرات مرتبطة بشخص الرئيس إلى سياسات مُقننة، تُبنى على إجماع داخلي أميركي، وتلتزم صراحةً بقواعد الشرعية الدولية. وإلى أن يتحقق ذلك، سيظل السؤال مفتوحاً: هل نحن أمام مشروع سلام مستدام، أم أمام صفحة أخرى قد تُطوى مع تبدّل الرياح السياسية في واشنطن .

* المدير العام - مركز فرح الدولي للدراسات و الابحاث الاستراتيجيةً

muwaffaq@ajlouni.me





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :