ماوراء طبول الحرب: لماذا تجنب ترامب المواجهة المباشرة مع إيران؟
د.عبدالله القضاة
28-01-2026 10:38 AM
كثيرًا ما ارتفعت أصوات المحللين العسكريين وهم يحدّدون “ساعة الصفر” لاشتعال حرب مدمّرة بين الولايات المتحدة وإيران. وبدا المشهد العام مشحونًا إلى حد الإيحاء بأن المنطقة تقف على أعتاب فصل جديد من الصراعات الكبرى. لكن، هل كانت الصورة فعلًا كما بدت؟ وهل كان دونالد ترامب على وشك الضغط على الزناد؟
الإجابة، كما تشير الوقائع، أبعد ما تكون عن ذلك. فلفهم ما جرى، لا بد من الغوص في عقلية رجل الأعمال الذي أصبح رئيسًا، وتفكيك استراتيجيته التي كانت أقرب إلى مسرحية ردع منها إلى خطة قتال حقيقية. فكيف يفكر ترامب؟
إذا أردنا فهم دونالد ترامب، فعلينا أولًا أن ننسى صورة “قائد الحرب” التقليدي. فترامب، في جوهره، تاجر قوة. سياسته تقوم على ما يمكن وصفه بـ“الاستعراض الخشن”، لكنه لا يؤمن بالحروب الطويلة التي تستنزف الأرواح والموارد، ولا هو مستعد لدفع كلفة بشرية واقتصادية مفتوحة.
بالنسبة له، المسألة كلها تدور حول الربح، والربح يعني الخروج منتصرًا من دون دفع الثمن. وهذا المنطق التجاري هو المفتاح الحقيقي لفهم معظم قراراته في السياسة الخارجية، وعلى رأسها تعاطيه مع الملف الإيراني.
هل يحاول ترامب إيصال رسائل لإسرائيل ؟ من الواضح أن إسرائيل، مدعومة بلوبيات نافذة، ضغطت بقوة على ترامب لدفع الولايات المتحدة نحو حرب بالإنابة تنهي ما تعتبره “الخطر الإيراني” على وجودها. غير أن إسرائيل، في الوقت نفسه، تدرك أنها لا تستطيع خوض مثل هذه الحرب منفردة.
في هذا السياق، لعب ترامب لعبة مزدوجة، محاولًا إيصال ثلاث رسائل متوازية إلى تل أبيب، أولاها: أنا مستعد: من خلال الحشود العسكرية، والتصريحات النارية، وحاملات الطائرات، كان يؤكد أن الخيار العسكري مطروح، الثانية، الخيار على الطاولة: أي أن التهديد ليس نظريًا، بل مدعوم باستعدادات فعلية، والخيرة: لكن ليس الآن: رسالة طمأنة باردة مفادها أن الحرب ليست وشيكة، ولن تكون بهذه السهولة.
باختصار، كان ترامب يسعى إلى طمأنة إسرائيل دون التورّط فعليًا. أما عن سؤال ما إذا كانت إسرائيل قد نجحت في جره إلى الحرب، فالإجابة القاطعة هي: لا. فترامب لا يقاتل من أجل الحلفاء، بل يستخدمهم كورقة ضغط. هو يرى أن إسرائيل تريد تفويضًا أمريكيًا مفتوحًا، بينما يصر هو على معادلة واضحة: الدعم مقابل الانضباط.
ولهذا، كلما ارتفع صوت الحرب من تل أبيب، زاد ترامب من الضجيج الإعلامي، من دون أن يوقّع شيكًا عسكريًا حقيقيًا.
ونتساءل هنا: ماهي إستراتيجية ترامب الحقيقية؟ لماذا إذن كان ترامب يحشد قواته ويتحدث عن الحرب؟ الإجابة أنه لم يكن يحضّر لخطة قتال، بل كان يحضّر أداة ردع. لقد استخدم ما يمكن تسميته بـ“الردع بالتمثيل المسرحي”، وهو نمط يقوم على إقناع الخصم بأن الحرب حتمية، من دون نية فعلية لخوضها.
هذا الأسلوب استخدمه ترامب سابقًا مع كوريا الشمالية، وكان هدفه رفع كلفة التصعيد على إيران دون عبور “نقطة اللاعودة”.
أبرز دليل على هذه الاستراتيجية ظهر في حزيران/يونيو 2019، حين ألغى في اللحظات الأخيرة ضربة عسكرية ضد أهداف إيرانية، ردًا على إسقاط طهران طائرة استطلاع أمريكية مسيّرة. هذا التراجع الدراماتيكي، الذي برره ترامب بأنه “غير متناسب” لتجنّب الخسائر البشرية، كشف جوهر سياسته: التهديد بالقوة القصوى مع تجنّب استخدامها الفعلي.
وبالمثل، فإن قراره بالانسحاب من الاتفاق النووي عام 2018 لم يكن تمهيدًا للحرب، بل أداة ضغط اقتصادية هائلة. فقد استبدل الالتزامات الدبلوماسية بسلاح العقوبات، مؤكدًا أنه يفضّل خوض “حرب اقتصادية” بدل صراع عسكري يستنزف موارد الولايات المتحدة وأرواح جنودها، ويقوّض صورته الانتخابية كرئيس "ينهي الحروب ولا يبدأها".
الحرب الحقيقية ستعني فشلاً استراتيجياً لترامب. فلو اندلعت حرب شاملة مع إيران، لكان ذلك سيؤدي حتماً إلى إغلاق المضائق، وارتفاع أسعار الطاقة، واشتعال المنطقة، مما يستنزف الولايات المتحدة لسنوات ويدمر صورته كقائد "أوقف الحروب" وينسف سرديته الانتخابية.
على الرغم من الخطاب التصعيدي وخلق توقع دائم بالمواجهة، فإن إيران لم تتعامل مع تهديدات ترامب بوصفها مقدمة حتمية للحرب، بل قرأتها ضمن منطق إدارة الصراع. فطهران تدرك أن التهديد بالقوة لا يعني بالضرورة قرار استخدامها، ولذلك اتجه سلوكها إلى حذر محسوب يتجنب الاستفزاز المباشر، مع الإبقاء على أدوات ضغط كافية تمنع فرض وقائع قسرية عليها. لقد كانت إدارة دقيقة للصراع، دون التفريط بموقعها كفاعل إقليمي مؤثر.
من خلال ما سبق، يمكن أن نخلص لنتيجة رئيسة: ترامب لم يكن يريد حرباً حقيقية، لكنه أراد أن تبدو الحرب قادمة. لقد استخدم الإيهام بالحرب للسيطرة على الجميع؛ فيبعث رسالة لإيران مفادها "أنا مستعد"، وبشكل متزامن يقول لإسرائيل "أنا أجهز المسرح، فلا تتصرفي منفردة"، فيما يخاطب العالم والداخل الأمريكي "أنا القوي الذي لا يتردد، لكني الحكيم الذي لا يُستدرج".
إنها سياسة ردع نفسية بامتياز، أكثر منها عسكرية. فقد كانت استراتيجية ترامب تقوم على إدارة الصراع لا إشعاله، مستخدمًا الضجيج والتهديد كأدوات تفاوضية فعّالة. وفي عالم تحكمه الصورة بقدر ما يحكمه القرار، كان ترامب يدير الخوف لا الحرب.
* أمين عام وزارة تطوير القطاع العام ومدير عام معهد الادارة العامة سابقا