facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




ربما حان الوقت ان ينتصر العقل لا الة الحرب والقتل والدمار


السفير الدكتور موفق العجلوني
28-01-2026 02:12 PM

يعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في لحظة إنسانية لافتة، أن قلبه ينفطر على ضحايا النظام الإيراني. انفطارٌ مؤثر، مُتقن الصياغة، ومشحون بلغة أخلاقية تُستدعى عادة عندما تتهيأ المدافع، وتُراجع الخرائط، وتُحضَّر المبررات. فجأة، تصبح المعاناة الإنسانية أولوية قصوى،
ويُقدَّم التدخل العسكري بوصفه فعلاً أخلاقياً، لا خياراً سياسياً. لكن هذه العاطفة الجارفة، كما يبدو، تعاني من انتقائية مزمنة.

ففي غزة، حيث قُتل مئات الآلاف، ودُمّرت مدن بأكملها، وسُحقت بنية مدنية تحت قصف متواصل، بأسلحة أمريكية الصنع، وتمويل أمريكي، وحماية سياسية أمريكية في مجلس الأمن — لم يُسجَّل أي انفطار يُذكر. هناك، لم تُستدعَ الأخلاق، ولم تُفتح القواميس الحقوقية، ولم تُفعّل لغة “حماية المدنيين”. بل على العكس، أُعيد تعريف المأساة:

القصف المكثف صار “ضرورة أمنية”، و الحصار الشامل صار “إجراءً دفاعياً”، و تدمير المستشفيات صار “خطأً غير مقصود”، والضحايا… أرقام مؤجلة.

هنا تتجلى المفارقة لا بوصفها خطأً عابراً، بل كمنهج سياسي. فالسياسة الأمريكية، بالشراكة الكاملة مع إسرائيل، قدّمت في السنوات الأخيرة أمثلة يصعب تجاهل طابعها شبه الجرمي، وإن جرى تغليفها دبلوماسياً:

استخدام ذخائر عالية التدمير في مناطق مدنية مكتظة، تعطيل ممنهج للبنى الصحية والإنسانية، فرض حصار شامل يُصنّف في القانون الدولي كعقاب جماعي، ومنع متكرر لأي مساءلة دولية عبر استخدام الفيتو.

كل ذلك لم يستدعِ خطاب “الانفطار”،
بل استدعى بيانات دعم، وشحنات سلاح إضافية، وتأكيداً ثابتاً على “حق الدفاع عن النفس”.

أما حين يتعلق الأمر بإيران، تتحول المعايير فجأة:

يُصبح تغيير النظام احتمالاً مشروعاً، ويُطرح اغتيال القيادة السياسية كخيار “ردعي”، وتُقدَّم فكرة تدمير دولة مركزية في الإقليم كحل أخلاقي، دون أي اكتراث بالعواقب الإقليمية أو العالمية.

وهنا، لا بد من التوضيح بوضوح لا لبس فيه:
نعم، هناك تحفظات جدية ومشروعة على السياسة الإيرانية، ولا سيما سياستها الخارجية، وتدخلها في الشؤون الداخلية لعدد من الدول….، وهي ممارسات تستحق النقد والمساءلة السياسية والدبلوماسية.

لكن الوضع الداخلي الإيراني — بكل تعقيداته ومشكلاته — لا يشكّل سبباً قانونياً، ولا أخلاقياً،
للنزعة المزاجية التي يُظهرها الرئيس ترامب
نحو تدمير إيران، أو التلويح بقتل مرشدها،
أو دفع المنطقة نحو فوضى شرق أوسطية شاملة قد تمتد آثارها إلى النظام الدولي بأكمله.

الخلل ليس في نقد إيران، بل في تحويل النقد إلى ذريعة حرب، وفي استخدام حقوق الإنسان كأداة انتقائية، تُشهر في وجه الخصوم، وتُخفى عند الحلفاء.

العالم لا يطلب من الولايات المتحدة أن تكون وصية أخلاقية، ولا أن تحب إيران، بل يطلب — بحد أدنى من العقلانية السياسية — ألا تُدار شؤون السلم والحرب وفق انفعالات رئيس، ولا وفق قلب ينفطر عندما تخدم الدموع الاستراتيجية، ويتماسك حين يصبح الانفطار مكلفاً.

فالأخلاق التي تُستخدم بالقطعة لا تصنع سلاماً، بل فوضى… وما بين طهران وغزة، يدفع العالم ثمن هذا التناقض المتعمد .


نداء إلى العقل قبل الانفجار ، من هنا، فإن مسؤولية ما يُسمّى بالعالم الحر لا تكمن في الاصطفاف خلف الحشود العسكرية الأمريكية، بل في العمل العاجل على وقفها، وخفض منسوب التهديد، وإعادة فتح قنوات الحوار مع إيران بلغة العقل لا لغة الإنذارات النهائية. فالدبلوماسية، مهما بدت بطيئة ومحبِطة، تبقى أقل كلفة من حرب لا يمكن السيطرة على تداعياتها.

وفي حال عدم تجاوب إيران مع المطالب المشروعة، سواء تلك المتعلقة بسياستها الخارجية، أو بالقضايا الداخلية المرتبطة بحقوق الإنسان، فإن المسار المقبول دولياً لا يكون عبر الصواريخ ولا الاغتيالات، بل عبر عقوبات صارمة، جماعية، وشرعية، يفرضها المجتمع الدولي بتوافق واسع، لا بقرار أحادي، ولا بمزاج سياسي متقلّب.

إن المطلوب اليوم هو وقوف دول العالم الحر صفاً واحداً خلف نهج الحكمة والعقلانية، وممارسة ضغط سياسي حقيقي على الإدارة الأمريكية، ومخاطبة الرئيس ترامب بلغة المصالح بعيدة المدى، لا لغة الانفعال، لوقف هذا المسار العدواني، وهذه التهديدات التي تدفع المنطقة والعالم نحو حافة الفوضى.

فإيران ليست فنزويلا. وليست ساحة معزولة يمكن تفجيرها ثم الانسحاب من أنقاضها. أي خلل واسع في إيران لن يبقى داخل حدودها، بل سيُحدث اختلالاً كارثياً في الشرق الأوسط، يمتد أثره إلى أسواق الطاقة، والممرات البحرية، والأمن الإقليمي، وربما إلى النظام الدولي برمّته، بنتائج لا تُحمد عقباها.

والتاريخ القريب يفرض تواضعاً سياسياً لا يمكن تجاهله:
فالولايات المتحدة، مهما بلغت قوتها العسكرية، هُزمت في فيتنام، وتعثّرت في الصومال، وانسحبت مهزومة من أفغانستان،
ولا تزال حتى اليوم تعاني من اختلالات عميقة خلّفها تدخلها في العراق ودول أخرى.

وفوق ذلك، تواجه أمريكا نفسها أزمات داخلية متراكمة، من انقسامات سياسية واجتماعية، إلى مشاكل بنيوية في عدد من ولاياتها، تجعل من التلويح بحرب جديدة مقامرة غير محسوبة، لا انتصاراً مؤكداً.

إن الحكمة لا تعني الضعف، والدبلوماسية لا تعني التنازل، لكن التهور — حين يُقدَّم كسياسة خارجية — لا ينتج إلا فوضى… يدفع ثمنها الجميع. وقبل أن ينفطر أي قلب آخر، ربما حان الوقت لأن ينتصر العقل. و هذا ما ينادي به الاردن داىما في اوقات الشدة و اوقات الرخاء و بالتنسيق و التشاور مع الاشقاء و الصدقاء .

و اختم حديثي بالاية الكريمة ٦١ من سورة الانفال في القران الكريم :

وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ .

و بالتالي ، إن اللجوء إلى الدبلوماسية ليس تنازلاً عن القوة، بل تعبيراً عن حكمة استخدامها. وكما يعلّمنا النص القرآني، فإن الميل إلى السلم متى ما فُتح بابه، هو الطريق الأجدر بالاتباع، لأن الحروب — مهما بدت مغرية في لحظتها — لا تُقاس بنتائجها العسكرية فقط، بل بما تخلّفه من فوضى وندم لا رجعة فيه.

* المدير العامً - مركز فرح الدولي للدراسات و الابحاث الاستراتيجيةً

muwaffaq@ajlouni.me





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :