facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




القمة العالمية للحكومات


د. صالح سليم الحموري
31-01-2026 09:43 AM

حين يجتمع العالم ليعيد تعريف المستقبل، ليست القمة العالمية للحكومات مناسبة بروتوكولية عابرة، ولا مؤتمرًا تقليديًا تُلتقط فيه الصور ثم يُغلق الملف. إنها مساحة فكرية عالمية نادرة، يُعاد فيها طرح السؤال الأصعب والأكثر إلحاحًا: كيف ينبغي أن تُدار الحكومات في عالم يتغير بوتيرة أسرع من قدرتنا على التنبؤ؟

في نسخة عام 2026، بداية هذا الأسبوع، تعود القمة إلى دبي، لا بوصفها مدينة مستضيفة بشكل دائم فحسب، بل بوصفها مختبرًا مفتوحًا لأفكار المستقبل، ومنصة تلتقي عندها رؤى قادة دول، وصنّاع سياسات، ومفكرين، ورواد أعمال، حول طاولة واحدة عنوانها الأبرز: استشراف حكومات المستقبل.

ما يميز هذه القمة حقًا لا يكمن في حجم الحضور ولا في عدد الجلسات، على أهميتهما، بل في طبيعة الأسئلة التي تُطرح. فالعالم اليوم لا يعاني نقصًا في الحلول التقنية، بقدر ما يواجه أزمة حقيقية في "نماذج الحوكمة"، وفي قدرة الحكومات على مواكبة التحولات المتسارعة في الاقتصاد، والتكنولوجيا، والديموغرافيا، وسلوك المجتمعات.

لهذا، لا تتوقف القمة عند سؤال: ماذا نفعل؟ بل تمضي أعمق لتسأل: كيف نفكر؟ كيف نُصمم القرار؟ وكيف نضمن أن يبقى الإنسان في قلب السياسات العامة، لا على هامشها؟

في دورة 2026، تتقاطع ملفات الذكاء الاصطناعي، والسيادة الرقمية، ومستقبل العمل، والرفاه المجتمعي، والحوكمة الرشيقة، في مشهد واحد. لم يعد الذكاء الاصطناعي ترفًا تقنيًا أو مشروعًا تجريبيًا، بل أصبح شريكًا فعليًا في صياغة السياسات، واتخاذ القرار، وإدارة الخدمات. ومع هذا التحول، تبرز أسئلة أخلاقية وحضارية لا تقل أهمية عن الأسئلة التقنية: من يملك الخوارزميات؟ من يزرع القيم داخلها؟ ومن يتحمّل المسؤولية حين تُخطئ الآلة؟

ما تقدمه القمة هنا ليس إجابات جاهزة، بل إطارًا فكريًا يساعد الحكومات على الانتقال من منطق ردّ الفعل إلى الفعل الاستباقي، ومن الإدارة التقليدية إلى الحوكمة الذكية، ومن تضخم البيروقراطية إلى رشاقة القرار.

وتزداد أهمية القمة لكونها منصة لتبادل التجارب الواقعية، لا التنظير فقط. تجارب حكومية نجحت في تصفير البيروقراطية، وأخرى أعادت تصميم خدماتها من منظور الإنسان لا الإجراء، وثالثة استخدمت البيانات لا لمراقبة الناس، بل لتحسين جودة حياتهم.

من هنا، يمكن القول إن القمة العالمية للحكومات لم تعد تبحث في مستقبل الحكومات بقدر ما تُعيد تعريف دور الحكومة نفسه: من جهة تنظيمية إلى جهة ممكنة، من سلطة فوق المجتمع إلى شريك معه، ومن إدارة الحاضر إلى صناعة المستقبل.

منذ عام 2015، وبحكم عملي، واظبت على حضور القمة، لا بدافع الفضول، بل بحثًا عن معنى أعمق لما يمكن أن تكون عليه الحكومات في زمنٍ لا ينتظر أحدًا. ومع مرور السنوات، تحولت القمة بالنسبة لي من حدث سنوي إلى مرفد فكري، أعود منه في كل مرة بأسئلة أكبر، ورؤية أوسع، ويقين متجدد بأن إدارة المستقبل لا يمكن أن تُدار بعقل الأمس.

ولم أكن وحدي في ذلك. كثيرون من المهتمين بالشأن العام وصناعة السياسات وجدوا في القمة منصة تسبق الأسئلة قبل أن تفرضها الأزمات، وتفتح نوافذ التفكير قبل أن تُغلق الخيارات.

وفي عالم يزداد تعقيدًا وتشابكًا، لعل الرسالة الأهم التي تخرج بها القمة عامًا بعد عام هي هذه: أن مستقبل الحكومات لا يُبنى بالتقنيات وحدها، ولا بالخطط الخمسية مهما بلغت دقتها، بل بعقلية قيادية جديدة تؤمن بأن الجرأة في التفكير شرط للتقدم، وأن الإنسان يجب أن يبقى في قلب القرار، لا مجرد متلقٍ لنتائجه.

فالحكومات القادرة على البقاء ليست تلك التي تُتقن الإدارة فقط، بل تلك التي تُحسن الفهم… وتملك شجاعة التأثير.

* كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :