رؤية ملكية لحماية بيئتنا البحرية
حمزة المحيسن
31-01-2026 09:47 AM
* كيف صاغت توجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني مستقبل خليج العقبة؟
بمناسبة عيد ميلاد جلالة الملك عبدالله الثاني – حفظه الله – تأتي هذه السطور لاستذكار بعض الوقفات الملكية المضيئة التي شكّلت محطات مفصلية في حماية البيئة البحرية في خليج العقبة، وترسيخ نهج وطني واعٍ يوازن بين متطلبات التنمية والحفاظ على الموارد الطبيعية.
يشكّل خليج العقبة أحد أهم الكنوز البيئية التي يتميز بها الأردن، لما يضمه من نظم بيئية بحرية فريدة وتنوع أحيائي نادر، وفي مقدمتها الشعاب المرجانية التي تُعد من الأجمل والأكثر قدرة على التكيّف عالمياً. ولم يكن الحفاظ على هذا الإرث الطبيعي وليد جهود آنية أو مبادرات ظرفية، بل جاء ثمرة رؤية ملكية مبكرة آمنت بأن حماية البيئة تشكّل ركناً أساسياً من أركان التنمية المستدامة.
وقد أولى جلالة الملك عبدالله الثاني – حفظه الله – اهتماماً خاصاً بالبيئة البحرية في خليج العقبة، إدراكاً لأهميتها البيئية والاقتصادية والسياحية. وكانت توجيهات جلالته السامية الأساس في إعلان وتأسيس محمية العقبة البحرية، لتكون إطاراً وطنياً منظماً لحماية الشعاب المرجانية والموائل البحرية، وضمان استدامتها في ظل التحديات البيئية المتزايدة الناتجة عن التغير المناخي والضغوط البشرية.
ولم تقتصر الرعاية الملكية على الجوانب التنظيمية والتشريعية، بل تجسدت عملياً من خلال مشاركة جلالة الملك في حملات تنظيف جوف البحر برفقة غواصي العقبة، في رسالة بالغة الدلالة تؤكد أن حماية البيئة مسؤولية مشتركة تبدأ من القيادة وتصل إلى جميع أفراد المجتمع. وقد شكّلت هذه المشاركات نموذجاً ملهماً أسهم في تعزيز الوعي البيئي المجتمعي، وترسيخ ثقافة العمل الميداني التطوعي لحماية البحر.
كما كان لجلالة الملك دور محوري في دعم الجهود العلمية المتخصصة، من خلال توجيهاته التي أسهمت في تأسيس المركز الدولي في محمية العقبة البحرية، وهو مشروع وطني متقدم يجمع بين الحفاظ البيئي، البحث العلمي، والسياحة المستدامة، ليصبح منصة إقليمية للابتكار في مجالات البيئة البحرية والاقتصاد الأزرق. ويضم المركز عدة مكونات، منها المحمية البحرية الممتدة على 7 كيلومترات، والمركز العلمي والتكنولوجي، ومعرض الأحياء البحرية التفاعلي الذي يستخدم تقنيات الواقع الافتراضي لتعزيز الوعي البيئي لدى الزوار، ويهدف إلى تطوير البحث العلمي وتدريب الكوادر الوطنية والدولية في حماية البيئة البحرية.
ويأتي ضمن جهود المركز الدولي مشروع نوعي لتقنيات زراعة وتكاثر الشعاب المرجانية في خليج العقبة، وهو مشروع وطني متقدم جاء بناءً على توجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني – حفظه الله – ويعكس التزام الأردن بالمحافظة على البيئة البحرية وتعزيز الاقتصاد الأزرق، مع التركيز على استدامة الموارد البحرية والتنوع البيولوجي وحماية الشعاب المرجانية للأجيال القادمة.
وعلى المستوى الدولي، حرص جلالة الملك في خطاباته ومشاركاته في المؤتمرات والمنتديات البيئية العالمية على تسليط الضوء على الأهمية البيئية الفريدة للشعاب المرجانية في خليج العقبة، مؤكداً ضرورة حمايتها باعتبارها إرثاً إنسانياً يتجاوز الحدود الوطنية، ونموذجاً عالمياً لقدرة النظم البيئية على الصمود في وجه آثار التغير المناخي إذا ما أُحسن التعامل معها، وسعياً لتعزيز مكانة الأردن مركزاً إقليمياً للبحث والتطوير في الاقتصاد الأزرق.
وفي هذا السياق، وانطلاقاً من حرص جلالته على دعم البحث العلمي المتقدم وتعزيز المعرفة العالمية بالبيئة البحرية الأردنية، جاءت زيارة سفينة الأبحاث العالمية “أوشن إكس” إلى خليج العقبة بناءً على دعوة مباشرة من جلالة الملك عبدالله الثاني – حفظه الله –. وقد نفذت السفينة عمليات استكشاف علمي متقدم لأعماق الخليج باستخدام الغواصات البحثية التابعة لها، وأسهمت في جمع بيانات علمية دقيقة وصور نوعية، كما ساعدت في تعزيز التجارب العملية للباحثين والطلبة من مختلف الجامعات الأردنية.
إن مجمل هذه الوقفات والمبادرات الملكية تؤكد أن حماية البيئة البحرية في خليج العقبة ليست سياسة قطاعية مؤقتة، بل نهج وطني متكامل يستند إلى رؤية قيادية بعيدة المدى، تضع البيئة في صلب الأولويات التنموية، وتوازن بين الاستثمار وحماية الموارد الطبيعية، وتسهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، لا سيما الحياة تحت الماء والعمل المناخي.
وفي هذه المناسبة، فإن المسؤولية لا تقتصر على المؤسسات المعنية وحدها، بل تمتد لتشمل جميع أفراد المجتمع، من مؤسسات وقطاع خاص ومواطنين، للمشاركة الفاعلة في حماية بيئتنا البحرية والحفاظ على خليج العقبة، التزاماً بالنهج الذي أرساه جلالة الملك عبدالله الثاني – حفظه الله –، والذي كان وما يزال يؤكد أن صون البيئة البحرية واجب وطني ومسؤولية مشتركة. فالحفاظ على هذا الإرث الطبيعي هو حفاظ على مستقبلنا، وضمان لأن يبقى خليج العقبة بيئة بحرية سليمة ومستدامة للأجيال القادمة، كما أراده جلالته وكما يستحقه الأردن.
* رئيس قسم الإرشاد والتوعية المجتمعية/ محمية العقبة البحرية