من قلعة دي سادا إلى غزّة .. قراءة في سادية القوة حين تبلغ الاكتفاء
م. بسام ابو النصر
03-02-2026 05:52 PM
ليس من قبيل المصادفة أن تعود إلى الواجهة، في زمننا هذا، أسئلة كان يُظن أنها دُفنت مع عصور الانحطاط القديمة: لماذا تتحول القوة، حين تكتفي، إلى رغبة جامحة في الاعتداء؟ ولماذا يبدو الإنسان، كلما ازداد تحررًا من القيود، أكثر قابلية للانحدار لا للارتقاء؟
لفهم ما يجري اليوم، لا يكفي أن ننظر إلى الأحداث بوصفها وقائع منفصلة، بل ينبغي أن نقرأها كحلقات في سلسلة واحدة، تبدأ من قلعة معزولة في جبال الألب في القرن الثامن عشر، وتمر بجزيرة صغيرة في المحيط، لتصل إلى رقعة محاصرة اسمها غزّة .
في رواية «مئة وعشرون يومًا في سدوم»، لم يكن الماركيز دي سادا يكتب فانتازيا منحرفة بقدر ما كان يضع تشريحًا قاسيًا لما يحدث حين تجتمع السلطة والمال والدين والقانون في أيدٍ فقدت أي رادع. أربعة رجال يمثلون قمة الهرم الاجتماعي قرروا أن يعزلوا أنفسهم عن العالم، لا ليحموا أنفسهم من الفوضى، بل ليصنعوا فوضاهم الخاصة. العزلة، والسرية، والإفلات من المحاسبة، وتحويل البشر إلى أدوات، كانت الشروط الأساسية لتحولهم من «نخبة» إلى وحوش. ما جرى داخل القلعة لم يكن بحثًا عن لذة عادية، بل تمرينًا على السيادة المطلقة، حيث يصبح الألم وسيلة لإثبات التفوق، والانتهاك فعلًا يؤكد الإحساس بالربوبية الزائفة .
بعد قرنين تقريبًا، تتكرر البنية ذاتها في جزيرة إبستين، مع اختلاف الزمن وتطوّر الأدوات. جزيرة معزولة، شبكة حماية سياسية وقانونية، ثراء فاحش، وصمت مؤسساتي ثقيل. الضحايا ليسوا أشخاصًا بقدر ما هم «مواد» تُستَخدم داخل طقس سادي معاصر. لم يكن ما جرى هناك انحرافًا جنسيًا بالمعنى الضيق، بل انحرافًا في معنى القوة نفسها. الاعتداء لم يكن بدافع الحاجة، بل بدافع الملل من كل ما هو مباح، والسعي إلى كسر آخر الخطوط الحمراء المتبقية. وكما في قلعة دي سادا ( مؤسس مبدأ السادية ) ، كان الجوهر واحدًا وهو نزع الإنسانية عن الآخر لتحويله إلى شيء، وممارسة العنف بوصفه إثباتًا للسيادة لا تفريغًا للشهوة .
غير أن الخطأ الأكبر هو الاعتقاد بأن هذه الظواهر محصورة في غرف مغلقة أو جزر نائية. ما حدث في غزّة يكشف أن المنطق ذاته قادرأن يكون فيه العمل في العلن، وعلى مرأى العالم، حين تتوافر له الشروط نفسها: قوة مكتفية بالكامل، حصانة سياسية، تفوق عسكري، ونظام عالمي يعيد تعريف الضحية وفق الهوية والموقع. في غزّة، لم تعد الحياة الإنسانية قيمة مطلقة، بل متغيّرًا ثانويًا في معادلة القوة. القتل لا يُقدَّم بوصفه جريمة، بل «إجراء»، والدمار يُسوَّق باعتباره ضرورة، والضحايا يُختزلون في أرقام. هذا ليس انفلاتًا عاطفيًا ولا ردّ فعلٍ آنيًا، بل ممارسة باردة، محسوبة، تشبه في جوهرها ما جرى في القلعة والجزيرة حيث الاعتداء بعد الاكتفاء، لا قبله .
الساديون الجدد لا يبدون كأبطال دي سادا الكلاسيكيين، ولا كرواد جزيرة إبستين بأسمائهم المكشوفة، لكنهم النموذج ذاته بملابس مختلفة. هم أولئك الذين يمتلكون القدرة على الإيذاء من دون أن يضطروا إلى لمس الضحية، ويشاهدون الألم عبر الشاشات، ويعيدون تسميته بلغة القانون والأمن. أدواتهم ليست السياط والغرف المغلقة، بل الطائرات، والخوارزميات، والخطاب الإعلامي، والمؤسسات الصامتة. غير أن النتيجة واحدة: تشييء الإنسان ( تحويل الإنسان الى شيء ) ، وتحويل المعاناة إلى مشهد اعتيادي، والمتعة إلى شعور دفين بالسيطرة المطلقة .
ما يجمع قلعة دي سادا، وجزيرة إبستين، وغزّة، ليس السادية بوصفها مرضًا فرديًا، بل السادية بوصفها نتيجة طبيعية وهي لحظة شعور الإنسان بالاستغناء. الاستغناء عن المحاسبة، عن الأخلاق، عن فكرة أن هناك حدًا لا يجوز تجاوزه. في هذه اللحظة تحديدًا، كما يعبّر القرآن العظيم بدقة مذهلة، «إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى». الطغيان هنا ليس فائض شر، بل فائض قوة بلا معنى، قوة تبحث عن إحساس مفقود، فلا تجده إلا في سحق الآخر .
ليست المشكلة في امتلاك القوة، بل في غياب الحدود التي تروّضها. فحين تُرفع هذه الحدود، لا تتحول المجتمعات إلى فضاءات أكثر حرية، بل إلى مسارح مفتوحة لإعادة إنتاج أقدم أشكال التوحش، ولكن بأدوات حديثة. وما لم يُعاد الاعتبار للإنسان بوصفه غاية لا وسيلة، سيظل التاريخ يعيد نفسه، من قلعة معزولة، إلى جزيرة محمية، إلى مدينة محاصرة، وحتى الى انتقال الساديين الجدد الى أماكن أخرى ، يبقى الوحش واحد… مهما تغيّرت الأقنعة .