facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




إبستين .. لماذا الآن؟


د. محمود الشغنوبي
08-02-2026 10:53 AM

في لحظة تاريخية تشتعل فيها جبهات العالم: غزة تُقصف يوماً بعد يوم، والسودان ينزف في حرب أهلية مُهمَلة إعلامياً، وإيران تُحاصَر بصراعات نووية وجيوسياسية، بينما الاقتصادات تعاني والأزمات المعيشية تضرب المواطن البسيط.. يُفتَح فجأة باب الأرشيف القديم على قضية إبستين وكأنها طوق النجاة الإخباري!

المفارقة المُرّة تكمن في التوقيت: عندما تصل حرب غزة إلى ذروة بشاعتها، وتُسجل مجازر واضحة للعيان، يصبح "التسريب" المرحلي لبعض أسماء ضيوف إبستين أفضل وسيلة لتشتيت الانتباه العالمي. كأنما تقول الآلة الإعلامية المهيمنة: "انظروا إلى الفساد الجنسي للنخب! (لكن لا تنظروا كثيراً إلى الدمار في رفح وخان يونس)".

السؤال الذي يفرض نفسه: هل من مصادفة أن تُثار قضية إبستين بالضبط عندما تحتاج بعض الأطراف السياسية إلى:
1- تخفيف الضغط الإعلامي عن حلفاء متورطين في انتهاكات في مناطق أخرى؟

2- تقديم "فساد النخبة" كقضية أخلاقية بديلة عن قضايا الإبادة الجماعية؟
3- خلق انقسامات داخلية في دول معادية، من خلال إرباك نخبها السياسية والفكرية؟

لا ننسى ربط الخيوط بمجلس السلام والأمن الدولي الذي يصمت صمتاً مُريباً أمام مجازر غزة، بينما قد نجد بعض أعضائه منشغلين بالرد على اتهامات مرتبطة بطائرات إبستين الخاصة. إنه عالم معكوس، حيث تُقاس الأخلاقيات الانتقائية بمكيالين: الفضائح الجنسية تستحق التحقيق الدولي والإدانة الفورية، بينما جرائم الحرب تنتظر شهوراً من المماطلات السياسية.

النظام العالمي الحالي يشبه مسرحية هزلية: إيران تُحاصر بعقوبات خانقة بسبب برنامج نووي افتراضي، بينما دول تمتلك ترسانات حقيقية تُدلل. السودان يُترك ينزف لأن نفطه لا يهم شركات الطاقة الكبرى كما تهمها أسماء مشاهير في قائمة إبستين. وغزة.. تلك الحلقة الأكثر مأساوية في السلسلة، حيث يُقتل الأطفال بأرقام قياسية بينما تنهمك وسائل الإعلام الرئيسية في تحليل "العلاقات الخطرة" بين ملياردير ميت ونخبة حية!

الدرس المستفاد: إبستين ليس مجرد قضية فساد، بل هو "كروت ضغط" في لعبة أكبر. إثارة ملفه الآن تشبه إلقاء حجر في بركة راكدة، لكن ليس لتنقية المياه، بل لخلق دوامات تُخفي ما في القاع. في اللحظة التي تحتاج فيها الشعوب إلى تركيز عالمي على قضايا الحياة والموت، تُقدّم لها قضية إبستين كـ"خبز وسيرك" حديث، حيث يتفرج العالم على سقوط بعض الأسماء الكبيرة، بينما تسقط قنابل حقيقية على رؤوس أبرياء في زوايا مُظلمة من الكوكب.

الفضيحة الحقيقية ليست فقط في ما حدث في جزيرة نيكر، بل في أن نظاماً عالمياً قادراً على تعقب كل ضيف زار تلك الجزيرة، يعجز عن وقف مجزرة تحدث على المباشر. نظام يُحرك كل آلياته للتحقيق في ماضي فاسد، لكنه يتردد في حاضره عن تطبيق العدالة الدولية على مجازر تحدث الآن وبالضوء الأحمر.

إبستين الآن؟ لأنه ببساطة مفيد الآن.. كأداة تشتيت، وكسلاح في حرب النخب، وكستارة دخان لأجندات أكثر ظلمة. والباقي؟ غزة تحترق، والسودان ينزف، والشعوب تتضور جوعاً.. بينما العالم منشغل بقائمة أسماء!

وهكذا، في المشهد الختامي لهذه المسرحية السوريالية، نجد أنفسنا أمام لوحة فنية عظيمة عنوانها "النظام العالمي":

في المقدمة، قادة العالم يجتمعون في قمم طارئة لإنقاذ سمعتهم من فضيحة جنسية عمرها عقد، بينما في الخلفية - لكنها ضبابية وغير مركزة - تلوح صور الأطفال تحت الأنقاض واللاجئين على الحدود والمجاعات في القرن الأفريقي.

الأضواء مسلطة بقوة على جزيرة نيكر الماضية، بينما غزة الحاضرة تغرق في ظلام دامس. الميكروفونات تلتهم كل تفصيلة عن طائرات الملياردير الميت، بينما صرخات الأمهات في السودان لا تجد مذيعة واحدة تتلوها في نشرة أخبار رئيسية.

إنه عصر "الأخلاق الانتقائية": حيث تُقاس الفظائع بعدد المشاهير المتورطين، لا بعدد الضحايا الأبرياء. وتُقاس الأهمية الإعلامية بعدد المتابعات على "تيك توك"، لا بعدد الأرواح التي تُزهق.

في النهاية، ربما يكون إبستين هو البطل المأسوي الهزلي لعصرنا: رجل يموت مرتين، مرة في زنزانته، ومرة على صفحات الجرائد كلما احتاج النظام لتذكيرنا: "انظروا، لدينا فساد هنا!" بينما الفساد الأكبر يحدث في وضح النهار، لكن بأوراق رسمية وبيانات صحفية أنيقة.

المضحك المبكي أننا نعيش في عالم يمكنه تحليل رحلة كل طائرة خاصة في تاريخ إبستين، لكنه يعجز عن إيصال وجبة غذائية واحدة لطفل يجوع في غزة. عالم يمكنه تتبع كل دولار في حسابات سرية، لكنه لا يستطيع تتبع قرار إنساني واحد في أروقة مجلس الأمن.

فلضحك إذن.. لأن البكاء لن يغير من المشهد شيئاً. والاستمرار في المشاهدة.. لأن الخروج من السيرك أصبح مستحيلاً. وفي النهاية، تذكروا جيداً: عندما تُعرض عليكم قائمة أسماء، اسألوا دائماً عن الأسماء المُقصاة منها، وعن الأجندة المختبئة خلفها. فاللعبة الكبرى تستمر، ونحن مجرد جمهور مدعو للتصفيق في الوقت المناسب، أو للتذمر بما لا يزعج مُخرج المسرحية!

وسلامتكم.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :