facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




تحولات السيادة: من الجغرافيا إلى الخوارزميات


د. أميرة يوسف ظاهر
10-02-2026 10:23 AM

في مقالة تحولات السيادة جرى تفكيك الفكرة التقليدية للسيادة بوصفها مفهوما ثابتا مرتبطا بالجغرافيا والحدود، وجرى التأكيد على أننا نعيش انتقالا بنيويا يعيد تعريف السلطة والدولة في العصر الرقمي، وهذا المقال يذهب إلى قلب هذا التحول، متناولا أحد أكثر تجلياته تأثيرا وخفاء: السيادة الخوارزمية.

ارتبط مفهوم السيادة تاريخيا بالأرض، وبالقدرة على فرض القرار داخل المجال الوطني عبر أدوات سياسية وعسكرية واضحة، غير أن هذا التعريف لم يعد كافيا لفهم طبيعة السلطة اليوم. فالسيادة لم تتراجع لكنها غيرت أدواتها ومسارحها، لم تعد تمارس فقط على الجغرافيا، لكنها داخل الفضاء الرقمي، حيث تدار البيانات، وتصاغ الخوارزميات، وتتخذ قرارات تمس حياة الأفراد والمجتمعات دون أن تمر بالضرورة عبر المؤسسات السياسية التقليدية.

الخوارزميات لم تعد مجرد أدوات تقنية مساعدة، بل تحولت إلى وسطاء سلطة، فهي التي تنظم ما نراه، وتؤثر في ما نصدقه، وتوجه اختياراتنا الاقتصادية والاجتماعية، ورغم ذلك كثيرا ما تقدم بوصفها محايدة أو علمية، في حين أنها تعكس خيارات بشرية، ومصالح اقتصادية ورؤى ثقافية محددة، تكمن خطورتها هنا تحديدا في قدرتها على ممارسة السلطة دون مساءلة ظاهرة أو شرعية ديمقراطية مباشرة.

هذا التحول يطرح سؤالا محوريا: من يكتب منطق القرار؟
حين تعتمد الدول على منصات رقمية خارجية لإدارة خدماتها أو بياناتها، أو على نماذج خوارزمية لا تتحكم في تصميمها ولا في أولوياتها، فإنها لا تستورد تقنية فقط، بل تستورد معها تصورا معينا للعالم وللإنسان ولما يعد مهما أو ثانويا. بهذا المعنى تتشكل أنماط جديدة من التبعية، لا تقوم على الإكراه أو الاحتلال، لكن على اعتماد بنيوي صامت يتسلل إلى قلب الدولة الحديثة.

المشكلة ليست في الانخراط في التكنولوجيا العالمية، ولا في الاستفادة من الابتكار الرقمي، لكن في غياب القدرة على الفهم والتكييف والمساءلة، فالسيادة الخوارزمية لا تعني الانغلاق أو القطيعة، بل تعني امتلاك الحد الأدنى من المعرفة والقدرة التي تمكن من اتخاذ قرار واع: متى نستخدم، وكيف نستخدم، وبأي شروط؟ دون ذلك تتحول الخوارزميات إلى سلطة تتجاوز السياسة وتعمل فوقها لا من خلالها.

هذا الواقع يفرض إعادة نظر في دور الدولة نفسها، فالدولة الرقمية ليست مجرد حكومة إلكترونية أو خدمات مؤتمتة، بل فاعل مسؤول عن حماية المصلحة العامة في فضاء جديد تتقاطع فيه المصالح الخاصة مع الحياة اليومية للمواطنين، إما أن تطور الدولة قدرتها على الفهم والتنظيم والتدخل الواعي، أو تتحول إلى وسيط ضعيف بين المواطن ومنصات عابرة للحدود تمتلك القوة الفعلية دون التزام اجتماعي أو سياسي مكافئ.

إن السيادة في العصر الرقمي لم تعد تختزل في الأمن السيبراني أو حماية البنية التحتية، بل تمتد إلى مساءلة منطق الخوارزميات وبناء قدرات بشرية ومؤسسية قادرة على التعامل معها بوعي نقدي، فالصراع على السيادة لم يعد يدور حول الأرض وحدها، بل حول الكود والمعنى، ومن يملك حق تعريف الواقع.

والسؤال الذي يظل مفتوحا وهو سؤال سياسي وأخلاقي بامتياز، ليس كيف نستخدم الخوارزميات؟ بل: هل نملك القدرة على مساءلتها، أم نكتفي بالتكيف مع عالم يعاد تشكيله من دوننا؟





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :