التحقيق المروري .. لماذا هذا التأخير؟! ..
محمود الدباس - أبو الليث
10-02-2026 10:25 AM
بينما كنت أتنقل بين المحلات لشراء بعض الحاجيات اليومية.. قطع سكون الشارع صوت حادث مروري قريب.. صوت تعرفه الأذن.. قبل أن تراه العين.. توقفت تلقائياً.. اقتربت.. لا بدافع الفضول.. بل بدافع الاطمئنان.. فوجدت الأضرار محدودة.. ولا إصابات.. والمشهد تحت السيطرة.. حمدت الله.. ومضيت في قضاء حاجتي.. غير متعجل.. وغير مدرك أن القصة لم تبدأ بعد..
عدت إلى المكان بعد فترة ليست بالقصيرة.. فوجدت التذمر قد سبقني.. كلمات تُقال بنبرة ضيق.. وتساؤلات عن تأخر رجل التحقيق المروري.. لو بيعرف وضعنا كان شد حيله.. أبصر وين وبشو ملتهي.. عبارات تتكرر في مثل هذه المواقف.. ومع أنني لم أكن طرفا في الحادث.. إلا أن فراغ الوقت.. وربما فضول المواطن الذي يريد أن يرى الصورة كاملة.. جعلني أبقى وأراقب..
بعد دقائق.. وصلت سيارة التحقيق المروري.. ترجل منها شاب أنيق.. ملامحه هادئة.. سلّم.. هنأ الجميع بالسلامة.. وبدأ عمله بهدوء مَن يعرف أن رفع الصوت لا يسرع الوقت.. الحادث كان واضح المعالم.. ومَن المخطئ فيه لا يحتاج إلى اجتهاد طويل.. ومع ذلك.. لم يَسلَم من ملاحظة التأخير والتأفف.. ومحاولات التأثير على حكمه..
هنا لم يتغير صوته.. ولم تتغير ابتسامته.. صلوا على النبي.. قالها قبل أن يشرح.. صدقوني لم أكن بتغدى.. ولا بشرب قهوة على جنب الطريق.. كنت في موقع حادث آخر.. مركبة منتهية الترخيص توجب ضبطها وتسليمها للمركز الأمني.. ومنطقة اختصاص واسعة.. قد يقع فيها أكثر من حادث في الوقت نفسه.. مع زحمة سير لا تخفى على أحد..
ثم ختم بهدوء واثق.. إن كان لديكم أي ملاحظات على تأخري.. أو على ما أضعه في الكروكا.. سجلوه عند مسؤولي في المدينة.. أو تواصلوا مع رئيس شعبة الحوادث في إدارة السير المركزية.. فهو مطلع على كل ما يجري في الميدان.. حينها هدأت النفوس.. وقال أحد الأطراف بصدق لا مجاملة فيه.. بهيك وضع.. فأنت مش متأخر علينا.. والله يعطيك العافية..
في تلك اللحظة تذكرت اتصالاً قبل عدة أسابيع.. شكوى رفعتها كمواطن لا يبحث عن صدام.. بل عن فهم.. فعرّف بنفسه العقيد شادي حداد.. رئيس شعبة الحوادث.. أصغى.. لم يقاطع.. لم يدافع قبل أن يسمع.. ووعد بالمتابعة الشخصية.. وبالمحاسبة إن ثبت تقصير.. لا لأن الشكوى عالية الصوت.. بل لأنها حق.. ومن هنا اكتملت الصورة.. ميدان يضغط على أفراده حتى آخر نفس.. ومسؤول يتابع التفاصيل لا العناوين..
نعم.. هناك حالات شاذة.. وهناك أخطاء.. لأن البشر ليسوا ملائكة.. لكن الخطأ حين يكون استثناء لا قاعدة.. وحين يُحاسَب لا يُغطّى.. يصبح دليلا صحة.. لا علامة خلل.. ورجال التحقيق المروري في هذا البلد.. يعملون تحت ضغط لا يراه المواطن.. إلا عندما يتوقف في حادثه الخاص.. ويتوقع أن يكون وحده على الخارطة..
الأردن بخير.. ليس لأن الحوادث قليلة.. بل لأن مَن يتعامل معها.. ما زال يحمل نفساً طويلاً.. وصدراً واسعاً.. واحتراماً للناس رغم التعب..
وبخير ما دام في الميدان نشامى.. وفي المكاتب مَن يتابعهم.. لا مَن ينسى أسماءهم..
وبخير لأن الصورة الجميلة.. لا تصنعها الكاميرات.. بل المواقف التي تُقال بهدوء.. وتُغلق بها أفواه التذمر.. قبل أن تتحول إلى ظلم..