الحكومات واستشراف المستقبل2: مرونة السياسات
أ.د. هيثم العقيلي المقابلة
10-02-2026 11:01 AM
المشكلات التي تواجه الحكومات في معظمها ليست مفاجأت بل يمكن التنبؤ بها و وضع الخطط و المنهج لتخفيف اثرها اما تفاقمها فهو لغياب الاستشراف المستقبلي و التخطيط السليم او لغياب الارادة او الكفاءة و تركها لتتراكم و تصبح مسؤولية من يخلف في المؤسسات و الوزارات.
لذلك فإن الاستشراف المستقبلي هو اتجاهات و تحديات و فرص و مرونة. بمعنى آخر يمكن توقع الاتجاهات العالمية في كافة المجالات وتحديد التحديات التي ستظهر و الفرص سواءا للحلول او للاستفادة او لامتصاص الصدمات باقل الاضرار.
واضح للعيان اننا مقبلون على تطور تكنولوجي هائل يحتاج مرونة في الاقتصاد و التعليم و الصحة و الثقافة و التوظيف و الخدمات الاجتماعية. ابسط الامثلة اننا نسير باتجاه التعليم المرن القائم على ادوات التكنولوجيا و التعليم عن بعد. هذا اتجاه يخلق تحدي ان غياب الحاجة للتعليم الوجاهي الحضوري سيؤثر على المنظومة الخدمية الاقتصادية المعتمدة على وجود الطلبة من المطاعم و الكافيهات و المكتبات و حتى الصيدليات و محلات التصوير و غيرها اي ان فكرة انشاء جامعة لتحيي الخدمات و الحراك الاقتصادي و التنمية في منطقة ما فقدت اهميتها. اما الفرص فهي تخفيف الكلف على المرتبطة بالتعليم و المباني و المناهج و الازدحامات المرورية بالاضافة لوظائف جديدة في قطاع البرمجيات و التعليم عن بعد خصوصا ان السوق العالمي سيكون مفتوح عبر الفضاء الالكتروني لمن يملك المؤهلات من اللغات الاجنبية و الرقمية. بمعنى آخر ان التعليم التقليدي و ما ترتب عليه سيفقد اهميته لصالح التعليم القائم على القدرة على اكتساب المعلومة و المهارة و تحديثها اي التعليم المستمر. لذلك يجب ان لا نتفاجأ اذا وصل العالم لمرحلة ان الجامعة باكملها ليست اكثر من بضع غرف صغيرة مجهزة للتعليم عن بعد و تعطي نتائج افضل او لنقل اكثر تكيفا مع متطلبات اسواق العمل من الشكل الحالي للجامعات.
في القطاع الصحي لا بد ان نثمن مبادرة جلالة سيدنا و سمو ولي العهد بالبدء باستخدام الذكاء الاصطناعي و العيادات عن بعد.
الاتجاه العالمي في الخدمات الصحية هو التنبؤ بالامراض على المستوى الفردي للوقاية باستخدام الذكاء الاصطناعي و الدليل الدراسات التي اثبتت كيف ان الذكاء الاصطناعي بعد التدريب كان اقدر على قراءة صور الاشعة و استكشاف تغيرات لا تظهر للعين المجردة لطبيب الاشعة.
اما الاتجاه الثاني فهو في العيادات عن بعد في الكثير من الامراض و المتابعة التي لا تحتاج حضور المريض. مثلا ما الهدف من حضور المريض ليحصل على نتائج فحوصات دم يمكن اجراءها من خلال عيادة افتراضية و حتى كتابة الدواء. الكثير من الشكوى المرضية سيكون بالامكانية حلها من خلال برامج تواصل دون الحاجة لحضور المريض و لكنها تحتاج التشريعات القانونية للمحافظة على سرية معلومات المرضى.
الروبوتات تدخل ببطء بالعمليات الجراحية و ستكون القدرة اعلى مع جيل زد الرقمي لان هذا الجيل الذي تعود على الالعاب الالكترونية سيكون عنده قدرة التخيل و الربط و تنسيق حركة الاصابع عشرات المرات مقارنه مع الجيل الحالي.
التحدي في هذا الاتجاه هو تدريب الكوادر و تأسيس البنية التحتية و التشريعات.
الفرص في تقليل الكلف و الموارد و تخفيف الازدحامات و توفير الوقت للمرضى الاكثر حاجة لوقت الطبيب في العيادة.
هي مرونة صحية تتسارع و الدول التي تسبق ستكون لها اليد العليا في السياحة العلاجية و خلق فرص العمل في هذا القطاع ناهيك عن توفير الموارد المالية و اعادة توجيه الموارد الاخرى للمرضى الذين يحتاجون الحضور او البقاء في المشافي.
جيل زد و جيل الفا هما الفرصة و التحدي. جيل زد يدخل حاليا سوق العمل بقدرات رقمية عالية و مهارات البرمجة و التكنولوجيا لكنه مشبع بالشعور بعدم الامان لانه جاء في توقيت تراجع الفرص و زيادة التنافس و الاهم ان عليه ان يبطء مسيرته لتتوافق مع المسؤول و الموظف من الاجيال السابقة التي لا تعير البرمجة و الذكاء الاصطناعي و الروبوتات و اللغات الاجنبية القيمة المناسبة. لنتخيل فقط مراجع من جيل زد في دائرة خدمية ينتظر انجاز معاملة و الموظف من جيل ما قبل الرقمية. الموظف يحتاج 30 دقيقة لانجاز ما يمكن لجيل زد انجازة على الكمبيوتر في 3 دقائق. نتخيل هذا السيناريو و سنرى انه قادم في كافة المجالات.
الفرصة الحقيقة ان جيل زد يمتلك معظم المؤهلات للمنافسة الداخلية و الخارجية لكنه يحتاج الخبرة و التوجيه. التحدي انه جيل مغترب ثقافيا في المجتمع عنده شعور عميق بعدم الامان و شغف قوي للامان المادي السريع. جيل يسهل احتواءه و يصعب مواجهته. هو مرآة عصره تحدي و فرصة. ابسط مثال انه جيل ساهم في نجاح الرئيس ترامب و عمدة نيوورك ممداني و هما النقيضين لكن يجمعهما انهم استطاعوا التواصل معه بعقليته و ليس بعقلية ما قبل الرقمية.