* بين تشريعات تعليمية غير ثابتة ورقابة رقمية خافتة ومنصات تعليمية بأرباح الملايين والطالب يدفع الثمن
الثانوية العامة "التوجيهي" حالة استنزاف مزمنة تنهك الطالب والأهل معًا؛ فالطالب يعيش صراعًا نفسيًا طويلًا يهدد طاقته بالاحتراق قبل الوصول إلى المرحلة الجامعية في وقت تواجه فيه الأسرة استنزافًا ماديًا ممتدًا لسنوات، ما خلق داخل كثير من البيوت حالة طوارئ تُقدم فيها بطاقة التعليم الرقمي على رغيف الخبز، هذا لا يعني أننا سابقًا لم نكن نعاني من ضغط نفسي، لأنني اذكر أنني كنت أشعر بالقلق وانا طالبة في هذه المرحلة التي اجتزتها لاكون من اوائل المملكة ، لكن الشعور بالمقابل بما سمعته من طلاب الوقت هذا قليل لأننا كنا ندرس الكتاب فقط ، ولم تكن المرحلة تشكل عبء مالي على الاهالي، لأنه الدرس الخاص انذاك المتعارف انه للضعيف فقط.
أما اليوم أصبحت الدرووس الخصوصية ضرورة وازمة ، وقد تضافرت مجموعة من العوامل في تعميق هذه الأزمة، يأتي في مقدمتها حالة عدم ثبات شكل الثانوية العامة وتشريعاتها، وهو ما أتاح فوائد كبيرة للمنصات الرقمية والمراكز التعليمية الخاصة. الأمر الذي ساهم في تراجع شغف المعلم داخل المدرسة، وتراجع حضور طالب الثانوية العامة رغم كل الجاهزية التي تعلن عنها الوزارة لتصبح الغرف الصفية في بعض المدارس شبه فارغة في مشهد يعكس اختلالًا عميقًا في جوهر العملية التعليمية.
في هذا السياق وصف الدكتور الصحفي سهم العبادي ما يحدث بأنه "إجهاض للعملية التعليمية"، معربًا عن استيائه من تشريعات تعليمية غير ثابتة تركت أثرًا سلبيًا مباشرًا على جودة التعليم في الأردن. وأوضح أن ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي رغم غياب التكنولوجيا وضعف الجاهزية الكاملة للصفوف، كانت تمتلك ضميرًا حيًا في تقديم المعلومة، وهو ما نفتقده اليوم في ظل واقع نعيشه تحت مسمى "تجارة بمنهاج الثانوية العامة ".
وأشار العبادي إلى أن خيار التعليم الثابت الذي لا بديل له هو الغرفة الصفية، محذرًا من تسلّط أشكال متعددة على التعليم الرسمي، كما اعتبر أن ما يحدث من تجارة في المنهاج المدرسي يمثل عبثًا خطيرًا بأبناء المجتمع، داعيًا إلى إيقافه فورًا، وبيّن أن التشريعات غير الثابتة أسهمت في زيادة الفصول والحقول، وقدّمت "التوجيهي الممتد والمضطرب" على صينية من ذهب لتجار التعليم، الذين تنوعت أدواتهم بين الدوسيات، والبطاقات، والمكثفات، والأسئلة، وأوراق العمل، في وقت جرى فيه تهميش كتاب الوزارة ووضعه على الرف حتى في حال شرائه من الطالب.
ويكمل العبادي بالإشارة إلى مفارقة صادمة، مؤكدًا وجود معلمين رقميين لا يحملون شهادات جامعية يقدّمون الدروس لأبناء الطلبة على أنهم مختصون، إلى جانب منصات تعليمية رقمية غير مرخصة، ولفت إلى أن الرقابة الرقمية تقع ضمن مسؤولية هيئة الإعلام الرقمي بشكل كامل دون أن تكون لوزارة التربية والتعليم سلطة مباشرة عليها، ما يفتح باب التساؤل حول أولويات هذه الرقابة.
ومن هنا، أطرح أسئلة جوهرية على طاولة الهيئة:
هل الأولوية هي التفريق بين صانع المحتوى والمؤثر؟ أم أن الأهم هو منح الرقابة الرقمية أولوية قصوى على التعليم الرقمي الذي طغى وسيطر على المشهد؟ وهل الأجدى التركيز على تصنيف الإعلامي والناشط، أم فتح نوافذ الهيئة على التعليم الرقمي وتنظيمه وضبطه بما يمنع منحه مساحة تعادل الغرفة الصفية أو تطيح بدورها كما نشاهد اليوم؟
من جهتها، ترى النائب "هدى العتوم" أن مشكلة وزارة التربية والتعليم تتمثل في غياب بناء تعليم تراكمي يربط التعليم الأساسي بالثانوي، حيث تعيش المنظومة حالة فصل واضحة بين المراحل. وأوضحت أن الوزارة تركّز جهودها على الثانوية العامة فقط رغم أن استقرار هذه المرحلة يبدأ من الصف الخامس، كما اعتبرت أن التحديث المستمر والتغيير في الحقول ليس خيارًا ناجحًا، داعية إلى العودة للتعليم السابق بأقسامه (التقني، الأكاديمي، الأدبي) بوصفه أكثر تنظيمًا.
وأضافت العتوم ضرورة إيجاد منصة رقمية مساعده تتبع للوزارة يكون دورها مكمّلًا للتعليم في الغرفة الصفية دون أن تتحول إلى جهة مهيمنه وأكدت أن التعليم الرقمي يلغي أدوات فاعلة في تطوير قدرات الطلبة ودمجهم في المنظومة التعليمية، حيث يشكّل الحوار والبحث والتحليل النقدي أساس الابتكار في مقابل التلقين الذي تقدمه المنصات الرقمية والتي وصفتها بأنها من أكبر الكوارث والأزمات التي يمر بها التعليم الثانوي اليوم، كما شددت على ضرورة إيقاف التجارة بالمنهاج الرسمي، وهو مطلب سبق أن دعا إليه وزير التربية والتعليم الأسبق الدكتور* محمد الذنيبات"، إلى جانب توفير مراكز صيفية تتبع للوزارة لمدة 30 يومًا مكثفً(ا لمادة واحدة أو ثلاث مواد) لتمكين الطلبة من إنهاء المنهاج الذي يفوق الفترة الزمنية المخصصة لتدريسه رسميًا.
أما الخبير التربوي الدكتور" عايش النوايسة"، فأكد أن التعليم يجب أن لا يشكّل فجوة واسعة بين جيل وآخر، وأن لا يخلق حالة من عدم الثقة بالمؤسسة الرسمية. وأوضح أن ما حدث اليوم يمثل خللًا كبيرًا في منظومة التعليم، سمح للمنصات والمراكز الخاصة بالسيطرة على الطلبة، مقدّمة تعليمًا سمعيًا بصريًا لا يتطلب تفاعلًا حقيقيًا من الطالب ولا يحفّز خلايا التحليل والبحث. وذكّر بأن الدكتور "محمد ذنيبات" وزير التربية والتعليم السابق كان قد منع المنصات والمراكز الخاصة من استخدام المناهج الرسمية باعتبارها حقًا فكريًا في حين أصبح استخدامها اليوم متاحًا ومسموح ، وهو ما أسهم في فقدان ثقة الطالب والأسرة بالمعلومة المقدّمة داخل الغرفة الصفية، لصالح ما تقدمه المنصات الرقمية.
وفي تجربة شخصية تقول الدكتورة والأكاديمية "لانا عطيات" إنها عاشت تجربة التوجيهي عام 2008 بنظام السنتين و خاضتها مجددًا مع ابنها، وبحكم كونها أكاديمية تابعت المنهاج أولًا بأول، وأشارت إلى أن عدد فصول المنهاج عند تقسيمه على التقويم المدرسي يفوق بكثير الزمن المتاح، حيث يتطلب إنهاء الفصل الأول وحده وقتًا أطول من المدة المحددة رسميًا.
وأكدت أن بعض المدارس لم يتمكن معلموها من إنهاء مادة الفصل الأول داخل الغرفة الصفية دون أن يكون ذلك تقصيرًا منهم، وإنما بسبب ضخامة المادة،
وبيّنت عطيات أن بعض المواد خاصة التاريخ واللغة العربية، تفوق قدرات الطلبة من حيث الحجم والكثافة، ووصفتها بأنها "محشية حشي" ، مشيرة إلى أن مادة اللغة العربية في السنة الثانية تضم سبع وحدات في الفصل الأول، ما يدفع الطلبة للتوجه نحو المنصات التي تقدّم بطاقات مضغوطة تختصر المادة.
وتساءلت كأم عن سبب تحمّلها أعباء مالية إضافية نتيجة خلل تتحمل مسؤوليته وزارة التربية والتعليم، مؤكدة أن المنصات تحوّلت إلى مشروع ربحي ضحيته الطالب والأسرة،وربطت هذا الواقع بتخبط الوزارة في التعديلات المتتالية منذ 2008 و2009 و2010، معتبرة أن الطلبة ليسوا حقول تجارب، وداعية إلى فتح حوار وطني شامل مع المختصين والأهالي، وإعادة التعليم إلى الغرفة الصفية بصورة كاملة، في ظل غياب التجاوب الرسمي حتى مع الإعلام.
من جانبه، يرى دكتور الاقتصاد في الجامعة الأردنية "رعد التل" أن المنصات الرقمية تضيّع فرصًا كبيرة للبناء المعرفي والتراكمي لمهارات طلبة الثانوية العامة، خاصة أولئك المتجهين إلى الجامعات والكليات التقنية، وأكد أن العملية التعليمية التفاعلية تعتمد على التحليل، والنقد الفكري والتفاعل والعمل التشاركي ضمن مجموعات تعليمية، وهو ما يسهم في بناء المهارات الناعمة. وأوضح أن هذه المرحلة تتطلب بناء المهارات والقدرات والكفاءات، باعتبارها عناصر أساسية في انتقال الطالب إلى المرحلة الجامعية بقدرة عالية على التفاعل.
واقترح أن يكون الفصل الأخير في جميع التخصصات فصلًا تطبيقيًا عمليًا ميدانيًا بواقع 12 ساعة، يتيح للطالب الاحتكاك بسوق العمل، في وقت تقدّم فيه المنصات تعليمًا تلقينيًا قائمًا على معلومة جاهزة، وهو ما يقتل التفكير الإبداعي خارج الصندوق.
وفي البعد النفسي، تشير الدكتورة النفسية وسام حسن أبو علي إلى أن الأسرة التي لديها طالب في الثانوية العامة غالبًا ما تلغي خطط الترفيه، وأحيانًا الرعاية الصحية الثانوية من أجل تأمين تكاليف التعليم.
وأوضحت أن ذلك غيّر أولويات معيشية لكثير من الأسر، خاصة تلك التي لا تستطيع مواكبة متطلبات التوجيهي، ما خلق حالة من الارتباك انعكست على الطالب والأهل معًا، وأضافت أنها رصدت من خلال الأهالي أعراضًا نفسية متعددة لدى الطلبة نتيجة الضغط النفسي والمادي، خاصة في حال عدم توفر البطاقات التي أصبحت أساس التعليم الرقمي.
كما أشارت إلى أن نظام 2010، الذي يقيّد رغبات الطلبة في اختيار تخصصاتهم وفق نسب محددة لكل مديرية، يولّد إحباطًا وفقدانًا للدافعية، مؤكدة ضرورة ربط التعليم بالصحة النفسية، والبحث عن بدائل أكثر إبداعًا وأقل ضغطًا، تضمن تعليمًا آمنًا بعيدًا عن التلقين.
تقول "يسر حسان"وهي خبيرة إعلام واتصال استراتيجي، إنها عرضت صورة ضمن مشروع "السنبلة" أمام ما يقارب ألف معلمة تضمنت روبوتًا يقف أمام الطلبة ليعلّمهم، واستخدمت الصورة كسؤال تحفيزي لتحليل ما وراء المشهد.، ولخصت المشاركات إلى أن الروبوت قادر على نقل المعلومة بسرعة، وتقديم محتوى متجدد دون توقف والإجابة الفورية، إلا أن طاقته تبقى مختلفة عن طاقة الإنسان. المعلم بحسب حسان يدخل الغرفة الصفية بطاقة إنسانية، وبإيقاع خاص، وبروح تشعر الطالب بالأمان وتبني الثقة، وتحفّز الفضول.
وتؤكد أن المنصات الرقمية ولا حتى الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن تحل محل المعلم داخل الغرفة الصفية، لأن للغرفة أدواتها وللمعلم أساليبه في التواصل، فيما تبقى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والمنصات أدوات مساندة بيد المعلم لا بدائل عنه.
أما عن معاناة الأهالي، فتروي سيدة قصتها بمرارة للدكتور الصحفي "سهم العبادي" ، إذ اضطرت لبيع منزلها لتأمين الدروس الخصوصية لبناتها التوأم، وتقول بحزن: "لم أعد أستطيع تلبية احتياجاتهن التعليمية عبر المراكز الخاصة والمنصات الرقمية إلا بهذا الثمن الكبير، كنا نحلم بتعليم جيد لأطفالنا، لكن الواقع أصبح أقسى مما تخيلنا".
وفي شهادة أخرى، تروي أم (غ.م)، وهي أم لطالبة وطالب في الثانوية العامة من مواليد 2008 و2009، كيف انتقلت الأسرة من صراع تأمين لقمة العيش إلى معركة تأمين التعليم. وتقول:" لم تعد المشكلة اليوم هي الطعام إنما تعليم يليق بأبنائنا كما يحصل عليه الآخرون،وصل بنا الحال إلى سؤال الناس عن متبرعين لمساعدتنا على تجاوز هذه المرحلة، أما الكرامة، فإن بقي منها شيء، فقد ضحّينا به من أجل أولادنا".
هاتان الشهادتان تختصران واقعًا اجتماعيًا قاسيًا يعيشه آلاف الأردنيين؛ بيع الممتلكات، استنزاف الموارد، والتساؤل المؤلم عن حدود الصبر والكرامة، فقط لضمان تعليم الأبناء في عصر المنصات الرقمية والمراكز الخاصة المكلفة، ليست أسرة واحدة إنما اغلب الأسر تعاني.
وهنا يبرز الفرق الجوهري بين الاستثمار في التعليم بوصفه مشروعًا وطنيًا يهدف إلى بناء موارد بشرية مبدعة وقادرة على التفكير النقدي والإنتاج، وبين تجارة التعليم التي تديرها منصات رقمية تتجاوز أرباحها الملايين على حساب الطالب والأسرة وجودة العملية التعليمية.
إننا اليوم أمام حالة من فوضى تعليمية تستدعي رقابة رقمية صارمة، تضع حدودًا واضحة لدور المنصات وتعيد ضبط المشهد التعليمي بما يحد من تغوّلها، ويُعيد تفعيل الدور الحقيقي لوزارة التربية والتعليم بصفتها الجهة المسؤولة عن التعليم الرسمي وضمان جودة مخرجاته.
لقد آن الأوان لإنهاء فصل الرعب والضغط النفسي الذي يعيشه طلبتنا وأسرهم بسبب امتحان الثانوية العامة،؛فالنظام الحالي أثبت فشله؛ إذ لا يقيس التحصيل العلمي الحقيقي ويفتح الباب واسعًا أمام الاستغلال المالي والتجاوزات، بينما يهدر طاقة الطالب وجهد الأسرة والموارد الرسمية.
لماذا لا نتجه إلى بدائل أكثر عدالة وموضوعية؟ يمكن اعتماد دمج متوسط الدرجات المدرسية، وتوسيع أدوات التقييم، وتعدد مسارات القبول الجامعي، بما يشجّع على التعلم الحقيقي بدل التلقين المكثف والتركيز على امتحان واحد مصيري.
إن إصلاح نظام الثانوية العامة لم يعد خيارًا، هو ضرورة وطنية لبناء جيل قادر على التفكير والإبداع والمنافسة في عالم سريع التغيّر، ولوقف نزيف المال والوقت والطاقة الذي يدفع ثمنه الطالب الأردني وأسرته كل عام.