إرهاب روسيا الشتوي ضد المدنيين الأوكرانيين
السفيرة الأوكرانية ميروسلافا شيرباتيوك
10-02-2026 01:07 PM
بينما تتواصل الجهود الدبلوماسية والمفاوضات الدولية لإحلال السلام في أوكرانيا، يُجري بوتين "حوارًا" خاصًا به مع الشعب الأوكراني، لا بالكلمات، بل بالصواريخ والطائرات المسيّرة والهجمات الممنهجة على البنية التحتية المدنية.
هذا الشتاء، الذي يُعدّ من أقسى فصول الشتاء منذ بدء العدوان الروسي الشامل على أوكرانيا، انخفضت درجات الحرارة مرارًا وتكرارًا إلى 20 درجة مئوية تحت الصفر و ما دونه. وخلال هذه الفترة، تشن روسيا تقريبًا كل يوم الغارات على شبكة الطاقة والأحياء السكنية في أوكرانيا. ونتيجة لذلك، انقطعت الكهرباء والتدفئة والمياه عن ملايين المدنيين في أوكرانيا، في وقتٍ باتت فيه هذه الخدمات ضرورة للبقاء لا مجرد راحة.
هذه الهجمات الروسية مُتعمّدة، إذ تُشنّ خلال أشد أيام الشتاء برودةً، عندما يُشكّل انقطاع الكهرباء والتدفئة تهديدًا مباشرًا لحياة الإنسان، لا سيما كبار السن والنساء والأطفال. في العديد من المدن والبلدات الأوكرانية، بما فيها كييف، تُجبر العائلات على العيش في شقق متجمدة، وتُكافح المستشفيات للعمل دون كهرباء مستقرة. تُدفع مدن بأكملها إلى حافة كارثة إنسانية. هذا ليس نتيجة ثانوية للحرب الروسية على أوكرانيا، بل هو أسلوب مُتعمّد.
في السنة الرابعة من حربها العدوانية، وبعد فشلها في تحقيق نصر حاسم في ساحة المعركة، لجأت روسيا بشكل متزايد إلى استخدام أسلحتها ضد المدنيين. إن تدمير البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا ليس له أي ضرورة عسكرية، ولا يخدم احتياجات جيش الاحتلال أو الصناعات الدفاعية الروسية. إنما يهدف إلى معاقبة السكان المدنيين لرفضهم الخضوع، وجعل الحياة الطبيعية مستحيلة.
من منظور القانون الدولي الإنساني والجنائي، تُشكّل هذه الأعمال انتهاكات جسيمة. إن تعريض أي جماعة وطنية، كليًا أو جزئيًا، لظروف معيشية مُتعمّدة تهدف إلى تدميرها جسديًا، محظور صراحةً بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها. عندما تُستهدف البنية التحتية للطاقة خلال ظروف الشتاء القاسية، مما يحرم المدنيين من التدفئة والماء والكهرباء، يُمكن تصنيف هذه الأعمال قانونيًا ليس فقط كجرائم حرب وأعمال إرهابية، بل أيضًا كأعمال تُطابق معايير الإبادة الجماعية.
هذه الهجمات هي جزء من نمط أوسع. تترافق هذه الإجراءات مع تدمير التراث الثقافي الأوكراني، وترحيل الأطفال الأوكرانيين، وفرض نظام تعليمي في الأراضي المحتلة يهدف إلى طمس الهوية الوطنية، والسرقة الممنهجة للممتلكات الثقافية. تشكل هذه الأعمال مجتمعةً سياسةً روسيةً متماسكةً تهدف إلى القضاء على قدرة الشعب الأوكراني على الوجود بذاته.
يسعى بوتين، من خلال هذه الحملة، إلى استعراض "قوته" وقسوته أمام العالم. في الواقع، تكشف قراراته عن فشله الاستراتيجي. تُعدّ محاولات جعل أوكرانيا غير صالحة للسكن تذكيراً صارخاً بانهيار خطط "الحرب الخاطفة" الأصلية للكرملين، وعجزه عن إخضاع أوكرانيا بالقوة العسكرية وحدها.
هناك أيضاً أهداف أوسع. فمن خلال محاولة تحويل أوكرانيا إلى أرض غير صالحة للعيش، تسعى روسيا إلى إثبات أن أي دولة تقاوم عدوانها ستواجه عواقب وخيمة. هذه الرسالة موجهة ليس فقط إلى أوكرانيا، بل أيضاً إلى دول أخرى - لا سيما جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق ودول أوروبا الوسطى - كجزء من طموح طويل الأمد لاستعادة نفوذ يُذكّر بالحقبة السوفيتية.
هدف آخر هو الهدف الديموغرافي. فمن خلال قتل المدنيين وإجبار الملايين على الفرار عبر غارات جوية متواصلة وتدمير الخدمات الأساسية، تشن روسيا حربًا ديموغرافية. والتاريخ الأوكراني يشهد على هذه السياسات جيدًا. قتل بتجويع "هولودومور" عامي 1932-1933، وهي مجاعة مفتعلة فرضها النظام السوفيتي الشمولي، حصدت أرواح ملايين الأبرياء، ولا تزال شاهدًا مأساويًا على كيفية استخدام التدمير المتعمد لظروف المعيشة كسلاح.
ورغم حجم الهجمات وشدتها، تواصل أوكرانيا صمودها. ففي كل يوم، تُجرى أعمال إصلاح طارئة في جميع أنحاء البلاد. ويعمل ما يقرب من 58 ألف عامل في قطاع الطاقة على مدار الساعة، غالبًا تحت نيران العدو، لإصلاح خطوط الكهرباء والمحطات الفرعية وأنظمة التدفئة. عملهم ليس مجرد عمل فني، بل هو عملٌ لإنقاذ الأرواح.
وقد ناشدت أوكرانيا شركاءها وأصدقاءها حول العالم لتقديم المساعدة في مجال معدات الطاقة وإمدادات الطاقة والمواد الحيوية لقطاعي الكهرباء والغاز. وتتجاوز التكلفة التقديرية للاحتياجات الأكثر إلحاحًا مليار يورو. أطلقت دول عديدة مبادرات ناجحة لتقديم المساعدة لأوكرانيا، وتُبذل جهود حثيثة لتوسيع نطاق هذا الدعم ليشمل مناطق أخرى من العالم.
ويقدم التاريخ درساً واضحاً: لم يُحقق ترويع المدنيين النصر للمعتدي قط. فعندما يتعذر هزيمة جيش في ساحة المعركة، لا يُفضي استهداف السكان إلى نجاح سياسي، بل على العكس، يُعمّق المقاومة.
يُعزز هذا الموقف عزيمة أوكرانيا على الصمود.
في عالمٍ يواجه أزماتٍ متعددة، فرضت روسيا عبئًا إضافيًا كان بالإمكان تجنبه، على أوكرانيا وعلى النظام الإنساني العالمي. فبإشعالها حربًا جديدة واسعة النطاق، حوّلت روسيا الموارد اللازمة للمدنيين واللاجئين في مناطق أخرى متضررة من النزاعات، بما فيها الشرق الأوسط، تاركةً المجتمعات الهشة أصلًا بموارد أقل للبقاء والتعافي.
يجب إيقاف عدوان روسيا على أوكرانيا.
هذا ليس طلبًا سياسيًا.
بل هو طلب إنساني، من أجل الإنسانية جمعاء.