facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين يُسدَّد الدين متأخرًا… من يتحمّل كلفة الانتظار؟


أ. د. هاني الضمور
10-02-2026 08:03 PM

أعلنت الحكومة مؤخرًا عن تسديد مئة مليون دينار من مديونيتها المتراكمة للجامعات الرسمية، في خطوة وُصفت بأنها إيجابية ومفرِحة. غير أن هذا الإعلان، على أهميته، لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الطويل والمؤلم الذي سبقَه، ولا عن الكلفة الباهظة التي دفعتها الجامعات نتيجة تأخيرٍ امتد لسنوات طويلة، حتى تحوّل الالتزام المالي الحكومي إلى أزمة بنيوية في التعليم العالي.

من حيث المبدأ، لا خلاف على أن هذا القرار أفضل من استمرار التأخير، وقد يُقال: أن تأتي متأخرًا خير من ألا تأتي على الإطلاق. لكن القول بذلك لا يجب أن يحجب الحقيقة الأساسية، وهي أن ما سُدِّد اليوم ليس منّة ولا كرمًا، بل التزام مالي كان على الحكومة أن تفي به منذ زمن بعيد، قبل أن تتراكم الديون وتتضاعف الفوائد وتُستنزف الجامعات في مسار لم تختره.

لقد وجدت الجامعات نفسها، على مدى سنوات، أمام خيار واحد لا بديل عنه: اللجوء إلى البنوك لتغطية نفقاتها التشغيلية الأساسية، من رواتب والتزامات أكاديمية وخدمات طلابية. لم يكن هذا خيارًا استثماريًا، ولا نتيجة سوء إدارة بالضرورة، بل إجراء قسريًا فرضته سياسات التأخير، ودفع ثمنه التعليم العالي بكل مكوناته.

والأخطر من ذلك أن هذا اللجوء الإجباري للبنوك فتح بابًا واسعًا للفوائد المرتفعة، التي تضاعفت مع الزمن، حتى أصبحت عبئًا يوازي – وربما يفوق – أصل الدين نفسه. ومن هنا، فإن المبلغ الذي جرى الإعلان عنه اليوم، على أهميته، لا يغطي الفوائد البنكية التي تحملتها الجامعات نتيجة هذا التأخير، ولا يعوّض الخسائر التي تراكمت على حساب البرامج الأكاديمية، والبحث العلمي، والبنية التحتية، وحقوق العاملين والمتقاعدين.

لقد تحمّلت إدارات الجامعات عبئًا مضاعفًا؛ فمن جهة، كانت مطالبة بالاستمرار في تقديم التعليم والحفاظ على الاستقرار الأكاديمي، ومن جهة أخرى، وُضعت تحت ضغط مالي وإداري متواصل. ورغم ذلك، التزمت هذه الإدارات بخطط إصلاح، وأقرت مخرجات تقشفية، وأعادت هيكلة الإنفاق، استجابة لمطالب متكررة، على أمل أن تفي الحكومة بالتزاماتها في وقت معقول. لكن الوقت طال، والمطالبات تكررت، والاستجابة تأخرت.

وفي خضم هذا المشهد، لم تكن الخسائر مالية فقط، بل إدارية ومؤسسية أيضًا. تغيّر رؤساء جامعات، واضطرب الاستقرار الإداري، وتراجعت القدرة على التخطيط طويل الأمد، لأن إدارة الأزمة أصبحت هي القاعدة، لا الاستثناء. وكل ذلك كان يمكن تجنّبه لو تم الالتزام بالسداد في حينه، قبل عشرين عامًا، لا بعد أن استفحلت الأزمة.

إن الاحتفاء بهذه الدفعة يجب ألا يتحوّل إلى نهاية النقاش، بل إلى بدايته. فالمطلوب اليوم ليس حلولًا جزئية أو مسكنات مؤقتة، بل معالجة جذرية تقوم على:

تسديد كامل المديونية المتراكمة،
ووضع آلية تمويل مستدامة للجامعات،
وضمان عدم تكرار سياسة تأخير المستحقات التي أجبرت الجامعات على الارتهان للبنوك.

التعليم العالي ليس عبئًا على الخزينة، بل ركيزة من ركائز الدولة الحديثة. وأي تأخير في الوفاء بالتزاماته لا يُقاس بالأرقام وحدها، بل بما يتركه من أثر على جودة التعليم، واستقرار المؤسسات، وحقوق الأفراد الذين خدموا هذه الجامعات سنوات طويلة.

ما حدث اليوم خطوة في الاتجاه الصحيح، نعم، لكنها خطوة متأخرة جدًا.
والأمل ألا تُقدَّم الواجبات يومًا على أنها بشائر،
ولا تُحسب الالتزامات إنجازات،
ولا يُترك التعليم العالي مرة أخرى وحيدًا في مواجهة أزمة لم يكن هو سببها.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :