facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




جمهورية الأطفال المرقمنة


د. هيفاء ابوغزالة
11-02-2026 08:44 AM

منذ اللحظة التي أعلن فيها مجلس الوزراء برئاسة دولة جعفر حسان عن تشكيل اللجنة الوطنية لحماية الأطفال واليافعين في البيئة الرقمية، بدا واضحًا أن الأردن يقف على عتبة تحوّل مصيري لا يسمح بالحلول الناعمة ولا بالتوصيات المتردّدة. فالعالم الرقمي الذي يدخل غرف الأطفال كضيف لطيف، سرعان ما يتحوّل إلى قوة قادرة على تشكيل الوعي وإعادة صياغة السلوك وإدارة الانفعالات، حتى باتت الشاشة اليوم أقوى من أي مؤثر تربوي تقليدي. ولذلك، فإن ما يُنتظر من اللجنة ليس أداءً إداريًا، بل مشروعًا وطنيًا يعيد للدولة دورها الحاسم في صيانة طفولتها وحماية مستقبلها.

إن أول ما يجب أن تدركه اللجنة أن الأطفال اليوم يعيشون داخل عالمين لا يفصلهما باب: العالم الواقعي الذي يشاهده الأهل، والعالم الرقمي الذي لا يرونه. وفي العالم الثاني، تنفجر الأخطار بصمت: محتوى عنيف، تنمّر إلكتروني، استغلال، ابتزاز، غرف دردشة مجهولة، خوارزميات تلتقط مزاج الطفل وتعيد تدويره، منصّات تزرع فيه ردود فعل لا ينتبه لها أحد.
وما لم تنتقل اللجنة من التعامل مع “الاستخدام الرقمي” إلى التعامل مع “الحياة الرقمية”، فإن الخطر سيبقى أكبر من قدرة أي مؤسسة على اللحاق به.

غير أن التحدّي الأخطر الذي سيقف أمام اللجنة ليس المحتوى، بل الارتباط القهري الذي جعل الأطفال أسرى التطبيقات والألعاب ومنصّات التواصل. لقد تحوّل جهاز صغير بحجم كف اليد إلى مركز تحكم في مشاعر الطفل، وإلى سلطة تطلب منه الخضوع فيأتمر، وتمنحه مكافأة فيستسلم، وتُغريه بالمرحلة التالية فيواصل ساعات طويلة من الانغماس بلا وعي. هذا النوع الجديد من “العبودية السلوكية” هو التحدي الذي يعصف بالأسر اليوم؛ فأي سلوك قادر على سحب الطفل من بين يدي التكنولوجيا أصبح معركة يومية يخسرها كثير من الأهالي قبل أن تبدأ.

تدرك اللجنة أن هذه التطبيقات لا تُصمّم لتسلية الأطفال، بل لتملكهم. تُبنى على خوارزميات مدروسة، أنظمة مكافأة نفسية، ضوءٍ متقطّع، مراحل متتابعة، غرف افتراضية، وتغذية لحظية لا يستطيع الدماغ الصغير مقاومتها. وهنا يأتي الدور الحقيقي للجنة: أن تواجه هذه القوة التقنية بموقف سياسي وتنظيمي وتوعوي متكامل، يتجاوز مفهوم الحجب التقليدي إلى مفهوم المناعة الرقمية التي تُعاد صياغتها تربويًا، وأسريًا، ومدرسيًا، وتشريعيًا في آن واحد.

وعلى اللجنة أن تذهب أبعد من التوصيات وأعمق من التعليمات، وأن تبني منظومة وطنية تتكامل فيها أدوار: وزارة التربية والتعليم، وزارة التنمية الاجتماعية، المركز الوطني للأمن السيبراني، وزارة الاتصال الحكومي، وقطاع الاتصالات ممثلاً بشركات زين وأورنج وأمنية التي تمتلك قدرة تقنية هائلة يمكن أن تتحول إلى أدوات حماية لا أدوات استهلاك. المطلوب تصميم ضوابط عمرية حقيقية، وتفعيل التحقق من هوية المستخدمين الصغار، وتطوير أدوات رقابة ذكية على الأجهزة المنزلية، وإطلاق بيئة رقمية آمنة لا تعزل الطفل بل تُمكّنه.

كما يتعين على اللجنة إطلاق برنامج وطني للتوعية لا يشبه الحملات التقليدية التي تذوب في الهواء بعد أيام، بل برنامج طويل الأمد يعيد تثقيف المجتمع كله: يعلّم الأهل كيف يفهمون عالم أبنائهم، ويعلّم الأطفال كيف يحمون أنفسهم، ويعلّم المدارس كيف تزرع مهارات الحياة الرقمية داخل المناهج. فالحماية في هذا العصر لا تُبنى بالحظر، ولا بالمنع، بل بالمعرفة والقدرة والفهم.

وتحتاج اللجنة إلى بناء آلية سريعة للتعامل مع الشكاوى الرقمية المتعلقة بالأطفال، بحيث تتحول البلاغات إلى تدخل فوري، وأن يصبح التنسيق بين الأمن العام وإدارة حماية الأسرة والأحداث ووزارة الداخلية والمركز الوطني للأمن السيبراني ليس تنسيقًا مناسباتيًا، بل خط دفاع واحد يعمل على مدار الساعة بإجراءات واضحة وسرعة محسوبة.

وفي النهاية، ستكون اللجنة مطالبة بقول الحقيقة كما هي: إن حماية الأطفال في الفضاء الرقمي ليست “خدمة حكومية”، بل معيار سيادة مجتمعية. فمن لا يحمي طفله من خوارزمية، لن يحمي مستقبله من فوضى. ومن يترك طفله أسير لعبة، سيترك غدَه أسير نتائجها.

هذا هو التحدي الحقيقي: أن نبني جيلًا يستخدم التكنولوجيا ولا يُستَخدَم بها، يأمر الجهاز ولا يؤمر منه، يقف أمام الشاشة بعقل واعٍ لا بقلب خاضع، ويعرف أن مستقبله يبدأ من إصبعه حين يضغط، ومن وعيه حين يختار، ومن وطنه حين يحميه.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :