ابن خلدون والاقتصاد السياسي المعاصر: حين يلتقي ضعف الداخل بتحديات الخارج
د. حمد الكساسبة
11-02-2026 08:46 AM
لم يتعامل ابن خلدون في المقدمة مع تراجع الدول بوصفه نتيجة صدمة خارجية مفاجئة، بل كمسار داخلي تراكمي يبدأ من داخل الاقتصاد المنتج نفسه. هذا المنهج التحليلي يقدّم، حتى اليوم، إطارًا واضحًا لفهم كيف تتكوّن مواطن الضعف داخل الدول، وكيف تتحول تدريجيًا إلى حالة هشاشة تجعلها أقل قدرة على الصمود أمام التحولات الخارجية.
يرى ابن خلدون أن أولى علامات التراجع تظهر عندما تفقد الدولة التوازن بين دورها في التنظيم والتحفيز، وبين أعبائها المالية والإدارية. فالتوسع في النفقات غير المنتجة، مع تباطؤ النشاط الاقتصادي الحقيقي، يضعف الاستدامة المالية ويؤثر تدريجيًا في ثقة المجتمع بالسياسات العامة، خصوصًا عندما يترافق مع سوء إدارة الموارد أو تغليب مصالح ضيقة على حساب المصلحة العامة.
في هذه المرحلة، لا تكون العوامل الخارجية سببًا مباشرًا للتراجع، لكنها تصبح أكثر تأثيرًا. فالدول التي تعاني من ضعف الإنتاجية وضيق الحيز المالي تميل إلى البحث عن حلول سريعة لتخفيف الأعباء، مثل التمويل الخارجي أو إدارة الأزمات قصيرة الأمد. ومع تآكل الثقة الداخلية، تدخل الدولة تدريجيًا في علاقات غير متكافئة، لا بفعل قوة الخارج وحدها، بل نتيجة وهن الداخل.
ويحذّر ابن خلدون من مرحلة تتحوّل فيها الدولة من جهة تنظّم النشاط الاقتصادي وتسهّل عمله، إلى جهة تنافسه أو تُثقله. ففي هذه المرحلة، تتحول الجباية من أداة تمويل إلى أداة ضغط، وتتوسع القيود الإجرائية، وتتراجع المبادرة الفردية، ما يضعف الاستثمار ويقود الاقتصاد إلى حلقة إنهاك يصعب كسرها دون تغيير في طريقة إدارة الدولة للاقتصاد.
العنصر الحاسم في التحليل الخلدوني هو العدالة الاقتصادية. فالعدل هنا ليس قيمة أخلاقية مجردة، بل شرط عملي لاستمرار الاقتصاد المنتج. وعندما يسود الظلم أو الاستئثار بالمنافع، تتراجع الحوافز على العمل والاستثمار، ويضعف الارتباط بين الجهد والعائد، وهي من أوضح إشارات التآكل الداخلي للدولة.
ويرتبط هذا المسار ارتباطًا وثيقًا بسيادة القانون في منطق ابن خلدون، وإن لم يستخدم المصطلح بصيغته الحديثة. فثبات القواعد، وتقييد السلطة، والمساواة في التطبيق، تشكّل جميعها أساسًا لحماية النشاط الاقتصادي. وحين تُدار الدولة بمنطق الاستثناء لا القاعدة، تتآكل الثقة، ويبدأ انسحاب صامت من الاقتصاد المنظم نحو أنشطة أقل إنتاجية.
ويُضاف إلى ذلك ما يمكن تسميته بكلفة غياب اليقين. فالاقتصاد قد يتكيّف مع قواعد صارمة إذا كانت واضحة ومستقرة، لكنه لا يتكيّف مع تغيّر القواعد أو استخدامها انتقائيًا. هذا الاضطراب في القرار يربك التخطيط، ويؤجل الاستثمار، ويدفع الأفراد والمؤسسات إلى تقليص المخاطر بدل التوسع في الإنتاج.
ولا يقتصر هذا المسار على حالة بعينها، بل ينعكس بدرجات متفاوتة على عدد من الاقتصادات العربية اليوم، حيث تتشابه بنية الاختلالات وضعف الاقتصاد المنتج. وفي بيئة إقليمية ودولية شديدة التنافس، تتضاعف كلفة التأجيل، ما يجعل الإصلاح المبكر شرطًا للاستقرار لا خيارًا مؤجلًا.
وفي الخلاصة، يقدّم ابن خلدون قراءة تتجاوز الزمن. فالتحديات لا تنشأ من الخارج وحده، ولا من الداخل وحده، بل من تفاعلهما. وكلما كان الاقتصاد المنتج قائمًا على العدالة، وسيادة القانون، واستقرار القواعد، وحسن إدارة الموارد والمصالح، تراجعت قابلية الدولة للضغط الخارجي، واتسع هامش القرار، وأصبح الإصلاح المبكر أقل كلفة من انتظار لحظة الانكشاف.