الإسكان الميسّر قرار سيادي للاستقرار الوطني وتحريك الاقتصاد لعقدين
أ.د. محمد الفرجات
11-02-2026 08:52 AM
سيدي سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، حفظكم الله ورعاكم
في مرحلة دقيقة من تاريخ الدولة الأردنية العتيدة، يبرز دوركم بوصفكم صوتًا واعيًا لجيلٍ كامل، وسندا لسيد البلاد حفظه الله ورعاه، وجسرًا بين رؤية القيادة الهاشمية العميقة ومتطلبات المستقبل المتسارع.
لقد تميّز حضوركم العام، منذ توليكم ولاية العهد، بالانحياز الواضح لقضايا الشباب، وبالانتقال من الخطاب إلى الميدان، ومن التشخيص إلى البحث عن حلول قابلة للتنفيذ، سواء في الاقتصاد، أو التعليم، أو التشغيل، أو تمكين المجتمعات المحلية.
ما يلفت في مواقفكم، سمو الأمير، ليس فقط قربكم من هموم الناس، بل إدراككم المبكر أن التحديات الكبرى لا تُحل بإجراءات مجتزأة، بل برؤى متكاملة تعالج جذور الخلل وتعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
وقد تجلّى ذلك في تركيزكم المتكرر على العدالة في الفرص، والتنمية المتوازنة بين المحافظات، وبناء اقتصاد منتج يفتح الأفق أمام الشباب بدل أن يضيّقه.
وانطلاقًا من هذه الرؤية، تأتي مبادرة الإسكان الوطني المؤجَّر بوصفها ترجمة عملية لفلسفة تؤمن بأن الاستقرار الاجتماعي هو الأساس الصلب لأي نهضة اقتصادية، وأن تمكين الشباب لا يبدأ من فرص العمل وحدها، بل من حقهم في سكن آمن وميسّر يتيح لهم تأسيس حياة مستقرة ومنتجة.
إنها مبادرة تلتقي جوهريًا مع نهجكم الإصلاحي، وتستحق أن تُقرأ اليوم باعتبارها فرصة وطنية كبرى تتطلب قرارًا سياديًا يواكب حجم التحدي وأهمية اللحظة.
سيدي سمو ولي العهد،
في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس قوة الدول فقط بقدرتها على إدارة الأزمات، بل بجرأتها على اتخاذ قرارات استباقية تعالج جذور الخلل قبل أن تتحول إلى تهديدات بنيوية. وأزمة السكن في الأردن اليوم لم تعد مسألة معيشية فردية، ولا ملفًا هندسيًا أو تمويليًا، بل أصبحت قضية دولة تمس الاستقرار الاجتماعي، والديموغرافي، والاقتصادي، وتنعكس مباشرة على مستقبل الشباب والأسرة والإنتاج.
من هذا المنطلق، تبرز مبادرة الإسكان الوطني المؤجَّر على أراضي الخزينة—كما طُرحت في ورقة سياسات علمية متكاملة وقمت برفعها لصانعي القرار بكل الوسائل—بوصفها واحدة من أكثر المبادرات نضجًا وقابلية للتنفيذ، والأوسع أثرًا على المديين المتوسط والطويل، وتستحق أن تُطرح اليوم على طاولة القرار السيادي.
لماذا الإسكان اليوم… ولماذا بقرار سيادي؟
سيدي سمو ولي العهد،
تشير المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية بوضوح إلى أن ارتفاع الإيجارات وتراجع القدرة على التملك، مقرونَين بضغط كلفة المعيشة وتذبذب فرص العمل، يعيدان تشكيل المجتمع الأردني بهدوء ولكن بعمق:
تأخر في سن الزواج، ارتفاع في نسب الطلاق، عزوف عن تكوين الأسرة، تقلص حجم العائلة، وتراجع الطلب المحلي المرتبط بتأسيس البيوت الجديدة.
هذه ليست ظواهر معزولة، بل سلسلة مترابطة تمس الأمن الاجتماعي والاقتصادي في آن واحد.
التعامل مع هذه التحولات كقضايا فردية لم يعد مجديًا. حين تتحول إلى اتجاه عام، تصبح مسؤولية الدولة، ويغدو التدخل المنظم ضرورة وطنية لا خيارًا سياساتيًا.
جوهر المبادرة: سكن ميسّر… واستثمار في الاستقرار،،،
تقترح المبادرة إنشاء نحو 60 ألف شقة خلال ثلاث سنوات، تُبنى على أراضي الخزينة، وتملكها الدولة، وتُؤجَّر للمواطنين وموظفي الدولة والقطاع الخاص من ذوي الدخل المحدود، بإيجار ميسّر يقارب 100 دينار شهريًا، وفق معايير استحقاق واضحة وشفافة، تستهدف بالأساس الطبقتين الوسطى والفقيرة، والشباب في بداية تكوين الأسرة.
تقدر الكلفة الاجمالية للمشروع بنحو 3 مليار دينار بين البنى التحتية والبناء، وكلها تدخل السوق وتحرك السيولة ودورة الكاش، ويمكن تخصيصها من الحكومة والمنح والصناديق الاستثمارية والقروض الميسرة، وتوفر عوائد شهرية جيدة للخزينة، يمكن أن تستثمر في مشاريع إنتاجية صغيرة.
النموذج يقول: سعر متر البناء يجب أن لا يتجاوز 220 دينار، فالأرض من الخزينة، ومواد البناء والكلف معفية من الضرائب، والهندسة والفنيين والمهنيين والأيدي العاملة ومواد البناء محلية.
الفكرة في جوهرها بسيطة، لكنها عميقة الأثر:
خفض كلفة السكن = تخفيف الضغط عن الأسرة = تمكين الشباب من الزواج = تعزيز الاستقرار النفسي والاجتماعي = تحفيز الاقتصاد الداخلي.
إنه استثمار مباشر في الاستقرار الوطني، قبل أن يكون مشروع إسكان.
برنامج تنموي لا مركزي… يعيد توزيع الأثر
تتميّز المبادرة باعتماد توزيع جغرافي عادل للمشاريع على المحافظات والقرى والبوادي، من خلال وحدات عمرانية متوسطة الكثافة (6 شقق لكل عمارة)، ما يمنع تشكّل تجمعات إسكانية معزولة، ويُعيد ضخ النشاط الاقتصادي في الأطراف، حيث الحاجة للتنمية وفرص العمل.
كما أن طرح العطاءات بعدد كبير ومنع تركزها لدى مقاولين محدودين يعزز المنافسة، ويقلل مخاطر التعثر، ويُسهّل الرقابة الصارمة المطلوبة على الجودة وبكل المراحل، ويرفع جودة التنفيذ.
هنالك أمثلة على إسكانات حكومية بمدن المملكة، نذكر منها بالعقبة إسكان العالمية مثلا، والذي شيد عام 1982، وما زال قائما لهذا اليوم ويضاهي بجودته أفضل الاسكانات، ويسكن آلاف المواطنين.
سمو ولي العهد،
تُدرك المبادرة أن السكن ليس جدرانًا فقط، بل بيئة حياة. ولذلك تشدد على أن اكتمال البنية التحتية والخدمات قبل التسليم—من طرق ومياه وصرف صحي وإنارة واتصالات—شرطٌ جوهري للنجاح، بكلفة تُقدَّر بنحو نصف مليار دينار.
هذا الاستثمار ليس عبئًا، بل حماية للمشروع من التحول إلى عبء اجتماعي مستقبلي، وضمان لاستدامته وقابليته للاندماج الحضري والاقتصادي.
أثر اقتصادي واسع… لعقدين كاملين:
كل دينار يُستثمر في الإسكان يُحرّك سلسلة طويلة من القطاعات:
الإسمنت، الحديد، مواد البناء، النقل، الصناعات المساندة، العمالة الفنية والهندسية، الخدمات اللوجستية، ثم لاحقًا التشغيل والصيانة والخدمات اليومية.
بناء بيت واحد يُنعش أكثر من 30 قطاعًا بشكل مباشر وغير مباشر.
وبحجم البرنامج المقترح، نحن لا نتحدث عن دفعة مؤقتة، بل عن محرك اقتصادي طويل الأمد، يخلق آلاف فرص العمل، ويعيد توزيع السيولة داخل الاقتصاد الوطني بدل تسربها خارجه.
استدامة مالية وحاكمية صارمة
يعتمد النموذج على تملك الدولة للأصول وتأجيرها، ما يخلق دخلًا إيجاريًا متكررًا يمكن توظيفه في التشغيل والصيانة والتجديد، وتخفيف العبء عن الموازنة، إذا ما أُدير بنظام مالي محكم.
وتضع الورقة الحاكمية في صلب النجاح:
إشراف مستقل، فحوصات مواد، ربط الدفعات بالإنجاز، شفافية العطاءات، مؤشرات أداء معلنة، وقنوات شكاوى فعالة.
فحجم المشروع يفرض أعلى معايير النزاهة، لأن أي خلل هنا يعني فقدان الثقة العامة.
هل يضر السوق الخاص؟
الجواب: لا… بل يحميه
المبادرة لا تنافس الإسكان الخاص، بل تسد فجوة حقيقية للفئات التي لم يعد السوق قادرًا على خدمتها. وهي موجهة لمن هم تحت ضغط الإيجارات وتعثر الاستقرار الأسري، ما قد يسهم أصلًا في تهدئة اختلالات السوق بدل تعميقها.
سمو ولي العهد،
هذه المبادرة ليست مشروع إسكان تقليديًا، بل رؤية دولة:
تبني أصولًا وطنية،
تحرّك الاقتصاد،
تثبّت الأسرة،
وتحصّن المجتمع من مخاطر اجتماعية واقتصادية تتفاقم بصمت.
الأرقام واقعية، الأدوات متاحة، والأثر طويل المدى.
ما ينقص هو القرار السيادي الذي يضع السكن في مكانه الصحيح:
قضية استقرار وطني… لا ملفًا تقليدي.
والتاريخ، كما تعلمون سموكم، لا يذكر من أدار الأزمات فقط، بل من منعها قبل أن تقع.