facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الصورة كأداة استراتيجية


عميد متقاعد عارف الزبن
14-02-2026 09:50 AM

في قراءة معمّقة لرسائل القيادة وإعادة التموضع السياسي في الإقليم، استوقتني الأسبوع الماضي الصورة التي جمعت جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين بفخامة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بوصفها نموذجًا واضحًا لما يمكن تسميته بالرسائل الصامتة” في العلاقات الدولية بين البلدين الشقيقين. فهي لا تمثل مجرد توثيق بروتوكولي للقاء رسمي، بل مشهدًا سياسيًا مُصاغًا بعناية، يعكس توجّهًا، ويمهّد لمسار، ويرسل إشارات متعددة المستويات والاتجاهات.

في السياسة الدولية، لا تُدار الأمور بالخطابات وحدها، بل بالرموز، والتوقيت، ولغة الجسد. والصورة، حين تُلتقط في لحظة محسوبة، تتحول إلى أداة استراتيجية لا تقل أهمية عن بيان سياسي أو اتفاق مُعلن، بل قد تختصر صفحات من التحليل السياسي، هذه الصورة تحديدًا لا تستهدف الاستعراض الإعلامي بقدر ما تخاطب النخب وصنّاع القرار. وهي تتحرك على مسارين متوازيين في الاتصال السياسي:
مسار علني واضح (Overt Messages) موجّه للرأي العام ووسائل الإعلام والحلفاء، ومسار ضمني (Covert Messages) يستهدف الدوائر السياسية والأمنية وصنّاع القرار في الإقليم وخارجه.

أولًا: لغة الجسد كرسالة سياسية

المشي جنبًا إلى جنب، والتقارب الجسدي الواضح، وطريقة الإمساك بالذراع، وموقع اليد للرئيس اردوغان خلف يد جلالة الملك، كلها تفاصيل ذات دلالة في العرف الدبلوماسي. مثل هذه العناصر لا تُترك للصدفة، بل تُستخدم لإظهار مستوى من الثقة المتبادلة والتفاهم، وربما التقارب في الرؤية أو إدارة مشتركة لملفات محددة وكأنها تقول "نسير معا وسر ونحن من خلفك" الهدوء في الحركة، والانضباط في الإيقاع، وغياب أي مظهر استعراضي، تعكس قيادة واثقة تدرك وزن اللحظة، ولا تحتاج إلى المبالغة في التعبير لإيصال رسالتها.

ثانيًا: السياق الإقليمي وإعادة التموضع

تأتي هذه الصورة في مرحلة إقليمية تتسم بإعادة تشكيل التحالفات، وتراجع الاستقطابات الحادة، وصعود منطق البراغماتية السياسية. في مثل هذا السياق، تصبح الرسائل غير المباشرة أكثر فاعلية من التصريحات الصدامية. الصورة هنا توحي برغبة في فتح صفحة تنسيق، أو إعادة ضبط العلاقة بما يخدم مصالح استراتيجية مشتركة، دون الحاجة إلى إعلان تحالفات صريحة قد تقيّد هامش الحركة للطرفين. إنها تعبير عن براغماتية سياسية تُقدّم المصالح على الاعتبارات الأيديولوجية.

ثالثًا: إدارة الازمة بدل تصعيدها

لا تعني الصورة تطابقًا كاملًا في المواقف، بل تشير إلى انتقال من منطق الازمة إلى منطق إدارة الازمة. وهذا بحد ذاته تطور استراتيجي مهم في منطقة تتقاطع فيها الأزمات وتتشابك الملفات. فإدارة الازمة لا تعني إنهاءها، لكنها تعني وضعها ضمن إطار يمكن التحكم فيه، وتحييده عن مسارات التصعيد غير المحسوب.

رابعًا: الرسائل الموجّهة للخارج والداخل

للخارج: الصورة تؤكد أن قنوات التواصل مفتوحة، وأن الخيارات السياسية لا تزال مرنة، وأن هناك استعدادًا للتنسيق في الملفات الحساسة ضمن مقاربة عقلانية.

للداخل: هي رسالة طمأنة بأن القيادة تتحرك بثقة، وتمتلك زمام المبادرة، وتدير المشهد برؤية استراتيجية لا بردود أفعال آنية.
الخلاصة الاستراتيجية

فالصورة تقول كأداة استراتيجية: نحن في مرحلة إدارة مصالح لا إدارة صراعات. وقد يراها البعض إعلان تقارب، وربما يذهب آخرون إلى تفسيرها كإشارة لتحالف محتمل، لكنها في جوهرها إعلان نوايا ورسالة مفادها أن السياسة في هذه المرحلة تُدار بعقل بارد وحسابات دقيقة، تضع الاستقرار الإقليمي في صلب المعادلة.

نعم إنها صورة تاريخية تُستخدم كأداة قوة ناعمة، تختصر موقفًا، وتفتح مسارًا، وتُبقي الباب مفتوحًا أمام تطورات قد تُترجم لاحقًا إلى سياسات أو تفاهمات، وفق ما تقتضيه المصالح وتفرضه المتغيرات.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :