تحت سماءٍ واحدة… قلوبٌ تصوم لإلهٍ واحد،!!
نصر عصفور
17-02-2026 10:21 AM
في مشهدٍ نادرٍ ومُلهم، يتزامن صوم شهر رمضان المبارك مع صوم الفصح المجيد، فتلتقي القلوب قبل التقاويم، وتجتمع الأرواح على معنى واحد: التقرّب إلى الله الواحد الأحد. تختلف الطقوس، وتتنوع الصلوات، لكن المقصد واحد، والسماء واحدة، والخالق واحد.
الصوم في جوهره ليس امتناعًا عن الطعام والشراب فحسب. صوم الفم بداية الطريق، يعلّم الإنسان الانضباط والصبر، ويذكّره بنعمةٍ قد يعتادها فيغفل عنها. غير أن الرسالة الأعمق تمتد إلى ما هو أبعد من الجوع والعطش.
هناك صوم اللسان… حين يمتنع الإنسان عن الغيبة، عن الكذب، عن الكلمات التي تجرح ولا تداوي. كم من صائمٍ عن الطعام، لكنه يُفطر على أذى الناس! وكم من كلمةٍ قد تُسقط ما بناه المرء من عبادة في لحظة اندفاع. صوم اللسان هو امتحان الأخلاق، وهو جسر العبور من الشكل إلى الجوهر.
ثم يأتي الأسمى: صوم القلب. أن يصوم القلب عن الحقد، عن الكراهية، عن الحسد وسوء الظن. أن يتطهّر من كل ما يعكّر صفاءه. فالقلب هو المنبع، وإذا صلح القلب صلحت الكلمات واستقامت الأفعال. هنا يتحول الصوم من ممارسةٍ زمنية إلى حالةٍ روحية دائمة.
وحين يتزامن رمضان مع الفصح، تتجلى صورة إنسانية راقية: مساجد وكنائس يعلو فيها الدعاء، وأيدٍ ترتفع إلى السماء نفسها، طالبة الرحمة والسلام. الرسالة واحدة: أن نرتقي بأنفسنا، وأن نراجع ضمائرنا، وأن نجعل من الصوم مدرسةً للمحبة لا ساحةً للانقسام.
نحن نختلف في الطرق، لكننا نلتقي في الغاية. نعبد الله الواحد، خالق السماء والأرض، الذي ينظر إلى القلوب قبل المظاهر، وإلى النيات قبل الشعارات. وإذا كان الصوم يعلّمنا شيئًا في هذا التلاقي المبارك، فهو أن الإنسانية أكبر من الاختلاف، وأن الرحمة أوسع من كل المسميات.
فلنجعل من هذا التزامن فرصةً لمراجعة الذات، وتطهير القلب، وبناء جسور المحبة بين الناس. لأن أجمل ما في الصوم، في رمضان أو في الفصح، ليس فقط الامتناع… بل الارتقاء.
ارتقاء الإنسان نحو ضميره، ونحو أخيه الإنسان، ونحو الله الواحد الذي يجمعنا جميعًا تحت سماءٍ واحدة.