غزو مجرّة رؤوسنا: الدماغ… الفضاء الأقرب والأعقد
د. صالح سليم الحموري
22-02-2026 01:22 PM
في القمة العالمية للحكومات، التي انعقدت مطلع هذا الشهر في دبي، توقّف عددٌ من العلماء عند سؤالٍ يبدو بسيطًا لكنه يفتح أبوابًا لا تنتهي: ماذا نعرف حقًا عن الدماغ؟
لطالما كان الفضاء الخارجي رمزًا لفضول الإنسان وحدود طموحه. رفعنا أعيننا إلى السماء بحثًا عن إجابات كبرى: من أين أتينا؟ وإلى أين نمضي؟
لكن المفارقة أن أعقد “فضاء” واجهته البشرية لم يكن في أعماق الكون، بل في داخل رؤوسنا: الدماغ البشري، هذا العضو الذي لا يتجاوز وزنه كيلوغرامًا ونصفًا ما يزال—حتى اليوم—أكثر تعقيدًا وغموضًا من أي مجرّة بعيدة.
على مدى قرون، تعامل الإنسان مع الدماغ كصندوق أسود: نرى نتائجه ولا نفهم آلياته. أما اليوم، فنحن نعيش لحظة تاريخية يبدأ فيها هذا الصندوق بالانفتاح. فالتقدم المتسارع في علوم الأعصاب، والذكاء الاصطناعي، والتقنيات العصبية، لا يكتفي بشرح كيفية عمل الدماغ، بل يعيد طرح سؤال أعمق :ما الذي يمكن أن يصبح عليه الإنسان عندما نفهم دماغه حقًا؟
تشير الاكتشافات الحديثة إلى أن الدماغ ليس جهازًا ثابتًا، بل منظومة مرنة تتغير باستمرار. مفهوم اللدونة العصبية (Neuroplasticity) قلب الفهم التقليدي للعقل؛ فالتعلم، والتجربة، وحتى الصدمات، تعيد تشكيل الشبكات العصبية طوال حياة الإنسان. هذا يعني أن قدراتنا الذهنية ليست قدرًا نهائيًا، بل إمكانات قابلة للتوسّع، أو التراجع، بحسب البيئة، والتعليم، ونمط الحياة.
لكن التحول الأكبر يحدث عند التقاء "علوم الدماغ بالذكاء الاصطناعي". فاليوم، لا نستخدم الذكاء الاصطناعي فقط لمحاكاة التفكير البشري، بل لفهمه. حيث "الخوارزميات" باتت قادرة على تحليل أنماط النشاط العصبي، والتنبؤ بالسلوك، والمساعدة في تشخيص الاضطرابات العصبية بدقة غير مسبوقة. وفي بعض التجارب، أصبح الإنسان قادرًا على التحكم في الأجهزة باستخدام الإشارات العصبية فقط، ما يفتح الباب أمام إعادة تعريف العلاقة بين "العقل والجسد"، بل وبين "الإنسان والتقنية".
هذا التقدم يوسّع "فضاء الإمكانات"، لكنه في الوقت ذاته يطرح أسئلة عميقة. فإذا أصبح بالإمكان تعزيز الذاكرة، أو تسريع التعلم، أو تحسين التركيز، فمن يملك حق الوصول إلى هذه القدرات؟ وهل سنشهد فجوة جديدة بين من يملكون “عقولًا معززة” ومن لا يملكونها؟ إن اكتشاف "فضاء الدماغ" ليس مشروعًا علميًا فحسب، بل تحدٍ أخلاقي واجتماعي وسياسي.
كما أن فهم الدماغ يعيد النظر في مفاهيم راسخة مثل المسؤولية، واتخاذ القرار، وحتى الحرية الإنسانية. فإذا كانت قراراتنا متأثرة بأنماط عصبية يمكن رصدها والتنبؤ بها، فأين يبدأ الاختيار الحر وأين ينتهي؟ هذه الأسئلة لم تعد نظرية، بل تقترب من أن تكون جزءًا من واقع السياسات، والتعليم، والعدالة، والصحة النفسية.
وفي هذا السياق، يصبح الاستثمار في فهم الدماغ استثمارًا في مستقبل الإنسان نفسه. فالتعليم القائم على فهم آليات التعلم، والعمل المصمم وفق قدرات التركيز البشرية، والسياسات التي تراعي السلوك الإنساني الحقيقي لا المثالي، كلها تطبيقات مباشرة لاكتشاف هذا الفضاء الداخلي. المشكلة ليست في نقص المعرفة، بل في بطء انتقالها من المختبر إلى تصميم الأنظمة.
ربما بالغنا طويلًا في الاحتفاء بغزو الفضاء الخارجي، وقللنا من شأن الرحلة الأهم: "رحلة الإنسان إلى داخل عقله" فالدماغ ليس مجرد أداة نفكر بها، بل هو المساحة التي تتشكل فيها هويتنا، ومعانينا، وقدرتنا على التكيّف مع عالم سريع التحول.
في النهاية، فإن اكتشاف فضاء وإمكانات الدماغ ليس وعدًا بالتفوق فقط، بل اختبار للنضج الإنساني. فإما أن نستخدم هذا الفهم لتعزيز الإنسان وكرامته وقدرته على "المعنى"، أو نحوله إلى أداة جديدة للهيمنة والفجوة. وكما هو الحال دائمًا في لحظات التحول الكبرى، لا تحددنا الاكتشافات بقدر ما تحددنا "الخيارات" التي نتخذها ونحن نكتشف أنفسنا.
* كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية