استشراف المستقبل والتعامل مع الحاضر
أ.د. هيثم العقيلي المقابلة
23-02-2026 09:05 PM
ذكرت في عدة مقالات سابقا ان الاستعداد للازمات باستشراف المستقبل هو المسار الحقيقي للاستقرار و النمو. لكننا اليوم نتعامل مع تحديات داخلية و خارجية وجودية. هذه تحتاج تحليل سريع لتفكيك المشكلات لعناصر اصغر نبدأ اليوم بحلحلتها.
التحديات الخارجية متعددة و كبرى و لكن حماية الاردن من تلك التحديات هي مسؤولية القيادة السياسية و الجيش و المؤسسات الامنية وهذه للامانه تدار بمهنية عالية و شجاعة بقيادة سيد البلاد بشكل مباشر.
التحديات الداخلية هي ما تقلق لانها تراكم لمشكلات لم يتم التعامل معها بحلول شاملة و اليوم يبدو انها اصبحت فواتير مستحقة الدفع. لذلك لا بد ان نحدد الاهداف و المنهج و طبيعة الاشخاص لنحافظ على وطننا.
اولا لا بد ان يكون الهدف هو استقرار الاردن و ذلك يكون بالوقوف خلف القيادة الهاشمية و تجنب التأزيم الداخلي بقرارات حكومية يمكن تأجيلها بضعة اشهر. مثلا موضوع الضمان الاجتماعي يمكن تأجيل البحث فيه حاليا الى ان نتخفف من الاخطار المحيطة.
بما اننا نتفق على الهدف و هو الاستقرار و بناء جسور الثقة بين المواطن و المؤسسات فلا بد ان تكون هنالك اجراءات عاجلة تخفف العبئ الاقتصادي على المواطن و ذلك كما حدث في مرحلة وباء كورونا. صحيح ان موارد الدولة محدودة و ظروفها الاقتصادية صعبة لكن بعض النفقات التي تحرك الاسواق و تخفف العبئ قليلا مثل عيدية من جلالة الملك لابناءه العسكريين و المدنيين تدفعها الحكومة في رمضان سيكون لها اثر ايجابي اجتماعيا و اقتصاديا.
تاجيل النقاش في مواضيع خلافية مثل قانون الضمان و حصر التصريحات الحكومية بجهة محددة مهم لان بعض تصريحات المسؤولين حتى و ان كانت مقبولة في ظروف اخرى قد لا تخدم في هذه الظروف فالدولة تفكر بعقلها و الشعب يتلقى بعواطفه و منهجية الخطاب والتواصل الفعالة اختلفت عما كانت علية قبل سنوات فاليوم العنوان و الصورة هي الية التواصل و ليس التحليل المنطقي الذي يخاطب النخب.
برأيي ان الشعب يثق بالقدوات العلمية و السياسية و الاجتماعية و هذه لا بد ان يكون لها دور فعال في المساهمة في تعزيز الاستقرار الداخلي والثقة الشعبية.
كذلك فإن استشراف المستقبل هو عملية مستمرة فالازمات لا تحدث فجأة بل غالبيتها متوقعة لذلك لا بد من العودة للاسلوب العلمي في التعامل معها و القائم على تشخيص المشاكل و الاعتراف بوجودها و وضع الاهداف المتدرجة زمنيا و المنهج لتحقيق تلك الاهداف.
هذا لا بد ان يضطلع به كل مسؤول ضمن دائرته. لكن ذلك يحتاج لاشخاص يحملون المؤهلات لذلك سواءا المؤهلات العلمية او الفكرية او القبول الاجتماعي و الاهم من ذلك القدرة على التواصل مع الجماهير من خلال الية ادراكها و عواطفها و مصالحها و ليس ضمن ادوات قديمة متعالية او خشبية او شعارات مكررة هربا من الانغماس في التواصل الفعال مع المجتمع باجياله المختلفه و مستويات ادراكه المتباينه.
التواصل الاجتماعي بين المسؤول و المواطنين لا بد ان يكون ضمن المسار العلمي (السياق-الادراك- القرار) بمعنى اخر ان الكثير من القرارات و السياسات ان وضعت بسياق مختلف سيدركها العقل الاجتماعي بشكل مختلف يخدم بناء الثقة و الامل و لنتعلم من الشركات الكبرى التي تضع منتوجاتها بسياق مختلف لتحصل على مكاسب افضل. المشروب الغازي يوضع في سياق ارواء العطش او اعطاء الطاقة فيصبح الادراك البشري فيه مصلحة و جائزة و يقرر قبوله و شراءه. كذلك هي القرارات و السياسات الداخلية لا بد ان توضع بسياق مختلف ليدركه عقل الجماهير كمصلحة و ليس تحدي ليصبحوا قوة مساندة و ليست معاندة له.
برايي ان فهم و تطبيق العلوم الحديثة بالاتصال بين المسؤول و المواطنين يوازي اهمية استشراف المستقبل فهنالك عقل الحكومة الذي تعمل به و هنالك عواطف الجماهير التي لا ترى التفاصيل و لكن الصورة و العنوان و الاختصارات الذهنية.
النواب الاصل ان يكون هو الجسر بين الدولة و المواطن ليحقق هذا الاتصال فيعطي تغذية راجعة للمسؤول و طمأنة للمواطن لكن هذا ليس ما نراه اليوم و لكنه ليس مفاجأة على اي حال للنخب الفكرية فقد كتب الكثير في ذلك سابقا.
قد كان لي نقاشات طويلة و كتابات بأن المسؤوليين الاصل ان يكونوا عونا لجلالة الملك بالتعامل الحاذق و المهني مع المشاكل الداخلية وافساح المجال له للتعامل مع التحديات الخارجية الكبرى لان تفاصيل الوضع الداخلي كثيرة و لا يجب ان نتوقع تدخل سيد البلاد في كل تفصيله في الوقت الذي يعاني الاردن فيه تحديات خارجية غير مسبوقة.