رمضان ليس موسماً للضجيج .. بل محرابٌ للتقوى ومراجعة النفس
السفير د. موفق العجلوني
23-02-2026 10:52 PM
في زمنٍ باتت فيه كلُّ قيمةٍ قابلةً لإعادة التغليف، حتى التوبة تُسوَّق بشعارٍ جذّابٍ وإضاءةٍ براقة، لم يعد مستغرباً أن تتحوّل بعض المظاهر الرمضانية إلى مشاهد استعراضية تُزاحم روح الشهر بدل أن تخدمها.
نقرأ عن افتتاح خيمٍ رمضانية في عاصمتنا الحبيبة عمّان، بحضور شخصياتٍ عامة وفنية وإعلامية، فنظنّ للوهلة الأولى أننا أمام مجالس ذكرٍ وتلاوة، أو مبادراتٍ لإطعام المحتاجين وكفالة الأيتام. لكن الواقع – كما تعكسه التغطيات الإعلامية – يرسم صورةً أخرى: أمسياتٌ صاخبة، مسابقات ترفيهية، سحورٌ فاخر، وأراجيل يتصاعد دخانها في وجه شهرٍ قيل في فضله إن أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتقٌ من النار.
أيُّ مفارقةٍ هذه؟ شهرٌ شُرع فيه الصيام لتزكية النفس وتهذيب السلوك، فإذا ببعضنا يحوّله إلى مهرجانٍ ليليٍّ طويل. الجوع الذي يُفترض أن يذكّر بالفقراء يُستبدل بموائد مفتوحة تتجاوز حدّ الحاجة، وسكينة السَّحر تُستبدل بضجيج السهر، وقيام الليل يُزاحم بفعالياتٍ يُقال إنها “تليق بالحضور”.
يُقال إنها فعالياتٌ رمضانية “متنوعة”، لكن متى صار التنوع مرادفاً للضجيج؟ ومتى أصبح إحياء الليل يعني إحياء الحفلات؟ ومتى غدت متطلبات الزوار أسبق من مراعاة قدسية الشهر وحدود الذوق العام؟
رمضان ليس ديكوراً موسمياً يُضاف إلى أجندة الأنشطة الاجتماعية، ولا فقرةً علاقاتٍ عامة في رزنامة المؤسسات. هو مدرسة أخلاقية، ومحراب مراجعة، ومساحة صدقٍ بين العبد وربه. الصائم لا يُختبر فقط في امتناعه عن الطعام والشراب، بل في قدرته على كبح شهواته، وضبط لسانه، وخفض صوته، وتعظيم ما عظّم الله.
والمفارقة أن هذه المظاهر لا تصطدم بروح الإسلام فحسب، بل تتنافى أيضاً مع ما تعارف عليه المجتمع الأردني – مسلمين ومسيحيين – من احترام خصوصية هذا الشهر، ومراعاة مشاعر الصائمين، وصون الحياء العام. فليس كل ما يُتاح قانوناً يُستساغ أخلاقاً، وليس كل ما يجذب جمهوراً يرضي ضميراً.
أيعقل أن يتحوّل شهر العتق إلى موسم استهلاكٍ وترفيهٍ مكثّف؟ أن نصوم نهاراً عن لقمةٍ بسيطة، ثم نسرف ليلاً فيما يفوق الحاجة والمعنى؟ أن نعلّق الزينة على أبواب الخيام، وننسى أن أول زينةٍ ينبغي أن تُعلّق هي زينة التقوى على أبواب القلوب؟
ليست القضية خيمةً بعينها، ولا نادياً محدداً، بل عقلية ترى في رمضان فرصةً تجارية ومنظراً اجتماعياً وموسماً لزيادة الإيرادات. كأن الشهر صار علامةً تُستثمر، لا عبادةً تُستثمر فيها النفوس وتُزكّى بها الأرواح.
قد يقول قائل: الناس أحرار، ومن لا يعجبه لا يذهب. نعم، الحرية قيمةٌ راسخة، لكنها لا تعني إفراغ المواسم المقدسة من مضمونها، ولا التطبيع مع ما يناقض روحها، ثم التعجّب من تآكل الحسّ الأخلاقي عاماً بعد عام.
رمضان ليس مسرحاً، ولا صالة مناسبات، ولا استراحةً للدخان والسهر. هو فرصة نادرة لإعادة ترتيب الداخل قبل تزيين الخارج، ولتصحيح المسار قبل انقضاء الأيام.
وفي هذا الشهر المبارك، نقف أمام رسالةٍ واضحة : يا من آمنتم بقدسية رمضان، اجعلوه موسماً لمحاسبة النفس، وصلة الرحم، وإغاثة الملهوف، وكفّ الأذى، وخفض الصوت، وتعظيم الشعائر. اجعلوا من بيوتكم منارات ذكر، ومن موائدكم جسور رحمة، ومن لياليكم قياماً ودعاءً واستغفاراً.
وإلى من يخرجون عن جادة الدين القويم والعادات الأردنية الأصيلة في مثل هذا الشهر الفضيل، نقول: راجعوا المعنى قبل المظهر، واستحضروا هيبة الزمان قبل صخب المكان. إن احترام قدسية رمضان ليس تضييقاً على أحد، بل صونٌ لقيمةٍ جامعةٍ وهويةٍ راسخة. فالخيام ستُطوى، والأضواء ستنطفئ، لكن ما يبقى هو أثر الشهر في القلوب.
فلنحرص أن نخرج من رمضان أخفَّ ذنوباً، أصفى قلوباً، وأقرب إلى الله… لا أثقل فواتير، ولا أكثر صوراً، ولا أعلى ضجيجاً. ورمضان مدرسة، فمن أحسن التعلّم فيها ربح الدنيا والآخرة، ومن أضاعها فلن يعوّضه موسمٌ آخر.
* المدير العام - مركز فرح الدولي للدراسات والأبحاث الاستراتيجية
muwaffaq@ajlouni.me