إدارة الأزمة والإدارة بالأزمة في المؤسسات التعليمية: قراءة تحليلية
د. صبري الدباس
24-02-2026 11:51 AM
لم تعد الأزمات في البيئة التعليمية أحداثًا طارئة يمكن التعامل معها بوصفها استثناءً عابراً ، بل أصبحت سمة ملازمة لعصر يتسم بالتقلب وعدم اليقين وتسارع التحولات.
من هنا ، فإن النقاش حول إدارة الأزمة لم يعد كافياً ما لم يُستكمل بفهم أعمق لمفهوم الإدارة بالأزمة ، باعتباره مدخلًا استراتيجياً يتجاوز حدود الاستجابة إلى حدود إعادة التشكيل المؤسسي.
إدارة الأزمة، في بعدها التقليدي ، تقوم على الاستعداد ، والاحتواء ، وتقليل الخسائر. وهي بطبيعتها ذات طابع دفاعي يهدف إلى حماية الكيان المؤسسي من الانهيار أو التعثر.
غير أن هذا المنظور ، على أهميته ، يظل محدود الأثر إذا لم يُدمج ضمن رؤية أوسع تعتبر الأزمة لحظة كاشفة لاختلالات البنية الإدارية والتنظيمية.
أما الإدارة بالأزمة، فهي مفهوم أكثر عمقًا وإثارة للجدل ؛ إذ تتعامل مع الأزمة بوصفها محفزًا للتغيير القسري الذي قد تعجز المؤسسات عن إحداثه في الظروف العادية.
فكثير من القرارات الإصلاحية الكبرى ، التي قد تواجه مقاومة في أوقات الاستقرار ، تصبح ممكنة ومقبولة تحت ضغط الأزمة.
وهنا تتحول القيادة من مجرد إدارة موقف طارئ إلى إعادة صياغة اتجاه المؤسسة.
في المؤسسات التعليمية تحديداً ، تكشف الأزمات عن ثلاثة أبعاد جوهرية :
أولًا، هشاشة البنية التنظيمية إذا كانت تعتمد على الإجراءات الروتينية غير المرنة.
ثانيًا، أهمية رأس المال البشري بوصفه العنصر الأكثر قدرة على التكيف والابتكار.
ثالثًا، مركزية القرار مقابل تمكين القيادات الوسطى ، وهي معادلة تختبرها الأزمات بوضوح.
إن الفارق الجوهري بين إدارة الأزمة والإدارة بالأزمة يكمن في انه :
هل ننظر إلى الأزمة باعتبارها خطراً يجب احتواؤه فقط ؟
أم باعتبارها فرصة لإعادة التفكير في النماذج الإدارية السائدة ؟
في التحليل الاستراتيجي ، المؤسسات التي تكتفي بإدارة الأزمة تعود غالبًا إلى نقطة البداية بعد انتهائها ، بينما المؤسسات التي تمارس الإدارة بالأزمة تعيد تعريف ذاتها.
فهي تستثمر لحظة الاضطراب لإعادة هندسة العمليات ، وتحديث الهياكل ، وتعزيز الثقافة المؤسسية القائمة على المرونة والتعلم التنظيمي.
غير أن الإدارة بالأزمة قد تنحرف عن مسارها إذا تحولت إلى أسلوب دائم قائم على خلق التوتر لإدارة العاملين ، وهو ما يؤدي إلى إنهاك الموارد البشرية وفقدان الثقة.
ومن هنا، فإن نجاح هذا المدخل مرهون بوجود قيادة أخلاقية تمتلك رؤية واضحة ، وتوازن بين الحزم والشفافية ، وبين السرعة والمشاركة.
إن التحدي الحقيقي أمام المؤسسات التعليمية لا يكمن في منع الأزمات ، فذلك أمر يتجاوز القدرة البشرية في عالم متغير ، بل في بناء عقل إداري قادر على تحويل الصدمة إلى فرصة ، والاضطراب إلى مسار إصلاحي.
فالأزمة ليست اختباراً للأنظمة فقط ، بل اختباراً لعمق الفكر القيادي ذاته.
وفي ضوء ذلك ، فإن تبني منظور تكاملي يجمع بين إدارة الأزمة كآلية حماية ، والإدارة بالأزمة كأداة تحول ، يمثل الخيار الأكثر نضجاً للمؤسسات التعليمية الساعية إلى الاستدامة والتميز في بيئة لا تعترف بالجمود.
*الدكتور صبري الدباس/ أستاذ إدارة الأعمال.